عوملت الاستدامة لسنوات داخل الشركات باعتبارها امتدادًا للمسؤولية الاجتماعية: مبادرات مجتمعية، وحملات بيئية، ثم تقرير سنوي تعده إدارة الاستدامة أو الاتصال المؤسسي. كان هذا النموذج مقبولًا عندما كانت الاستدامة نشاطًا طوعيًا منفصلًا عن القرارات التجارية الأساسية، لكنه لم يعد يمثل الواقع القانوني والاقتصادي للشركات اليوم.
فالاستدامة لم تعد سؤالًا عن المبادرات التي تنفذها الشركة، بل عن قدرتها على الاستمرار وتحقيق القيمة في ظل تغير الأنظمة والأسواق والمناخ وتوقعات المستثمرين. ولهذا انتقلت من نطاق المسؤولية الاجتماعية إلى نطاق حوكمة مجلس الإدارة.
في السعودية تؤكد الأنظمة واللوائح المنظمة للشركات المدرجة التزام أعضاء مجلس الإدارة بالعمل لمصلحة الشركة، وتعزيز نجاحها وتنميتها وتعظيم قيمتها على المدى الطويل، إلى جانب الإشراف على الإستراتيجية والرقابة الداخلية وإدارة المخاطر والالتزام بالأنظمة ودقة المعلومات المفصح عنها.
لا تنشئ هذه الأحكام واجبًا قانونيًا مستقلًا يسمى «واجب الاستدامة»، لكنها تعني أن القضية البيئية أو الاجتماعية تدخل في نطاق مسؤولية المجلس متى أصبحت مؤثرة في قيمة الشركة أو تمويلها أو عملياتها أو سلسلة إمدادها. فالاستدامة لا تحتاج إلى باب قانوني مستقل حتى تصبح من اختصاص المجلس؛ يكفي أن تظهر في صورة خطر مالي أو تشغيلي أو تنظيمي أو تعاقدي.
فشح المياه ليس مسألة بيئية مجردة بالنسبة إلى شركة صناعية تعتمد عليه، بل خطر على الإنتاج والتكاليف وقيمة الأصول. وحقوق العمال في سلسلة الإمداد قد تكون شرطًا تعاقديًا لدخول سوق أو الاحتفاظ بعميل عالمي. والانبعاثات ليست مجرد أرقام في تقرير إذا أصبحت مؤثرة في تكلفة المنتج أو التمويل أو النفاذ إلى الأسواق. عندما تنتقل القضية من السمعة إلى التدفقات النقدية واستمرارية الأعمال، فإنها تنتقل إلى طاولة مجلس الإدارة.
وهذا هو المنطق الذي تقوم عليه معايير الإفصاح الدولية الحديثة، التي تنظم الإفصاح حول الحوكمة والإستراتيجية وإدارة المخاطر والمقاييس والأهداف، وتطلب توضيح دور مجلس الإدارة في الإشراف، وكيف تندمج مخاطر الاستدامة في القرارات والإستراتيجية.
والأهم أن هذه المعايير تربط الاستدامة بالتدفقات النقدية والوصول إلى التمويل وتكلفة رأس المال، لا بالخطاب الأخلاقي وحده. فالمستثمر يريد معرفة أثر المخاطر البيئية والاجتماعية في قيمة الشركة، والبنك يريد تقييم مدى تعرض المقترض لتغير الأنظمة أو اضطرابات سلسلة الإمداد، وشركة التأمين تريد تقدير احتمالات الخسائر، بينما يريد العميل الدولي التأكد من أن المورد لا يعرضه.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من صحيفة الاقتصادية
