WSJ: استراتيجية اقتصاد البقاء في إيران تسعى للتكيف مع الحصار الأميركي

تتجه إيران إلى إعادة ضبط اقتصادها على أساس إدارة الندرة والحفاظ على الحد الأدنى من النشاط، في محاولة للتكيف مع العقوبات الأميركية والحصار البحري، عبر تقليص الاستثمار والإنفاق، وترشيد استخدام النقد الأجنبي، وإعطاء الأولوية للواردات الاستراتيجية والاحتياجات الأساسية للدولة.

وبحسب تقرير لصحيفة «وول ستريت جورنال»، تراهن إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب على أن يؤدي تشديد الضغوط الاقتصادية إلى دفع طهران نحو تقديم تنازلات، لكن الإجراءات التي تتخذها السلطات الإيرانية تشير إلى استراتيجية تقوم على إطالة قدرة الاقتصاد على الصمود، حتى وإن جاء ذلك على حساب مستويات المعيشة والنمو والاستثمار.

إيران تخسر 35% من طاقتها الإنتاجية للغاز بسبب الحرب

تشمل هذه الإجراءات تقنين السلع والطاقة، وتقييد الوصول إلى العملات الأجنبية، وتحميل الأسر جزءاً أكبر من كلفة الأزمة، بالتوازي مع حماية الواردات الأساسية والحفاظ على قدرة مؤسسات الدولة على العمل. والنتيجة المتوقعة هي اقتصاد أكثر ضعفاً وفقراً، لكنه قادر على الاستمرار بما يمنح القيادة الإيرانية مساحة أكبر للمناورة في المفاوضات مع واشنطن.

ونقلت الصحيفة عن هادي كحل زاده، الزميل غير المقيم في «معهد كوينسي» (Quincy Institute) والمسؤول السابق في «منظمة الضمان الاجتماعي الإيرانية»، قوله إن الضغوط ستنقل إيران تدريجياً من اقتصاد قادر على امتصاص الصدمات إلى «اقتصاد بقاء» يواصل العمل، لكنه يفقد باستمرار قدرته على التعافي.

تأثير الحصار البحري وانهيار صادرات النفط الإيراني

بعد أسابيع من تجدد القتال إثر انهيار اتفاق مؤقت في يونيو، اختار ترامب العودة إلى الضغط الاقتصادي بوصفه أداته الرئيسية، مع إرجاء المزيد من الضربات ومنح العقوبات والحصار البحري وقتاً أطول لإحداث تأثيرهما.

وقال وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت إن سياسات الإدارة دفعت العملة الإيرانية إلى هبوط حاد ورفعت التضخم إلى مستويات من ثلاثة أرقام.

في طهران، تعكس تصريحات المسؤولين إدراكاً متزايداً لحجم الضغوط. وقال الرئيس مسعود بزشكيان مراراً إن بلاده بحاجة إلى تجاوز حالة «لا حرب ولا سلام». وذكرت وسائل إعلام رسمية أنه التقى المرشد الأعلى مجتبى خامنئي أواخر يوليو، في محادثات تناولت معيشة السكان وتأمين الموارد وإدارة النقد الأجنبي واستهلاك الطاقة.

لوحة عرض على واجهة مكتب صرافة العملات الأجنبية في العاصمة الإيرانية طهران- 22 فبراير 2026

وتظهر البيانات التي أوردتها الصحيفة أن الضغوط تتركز بصورة خاصة على قطاع النفط، الذي يمثل مصدراً رئيسياً للإيرادات الحكومية والعملات الأجنبية. ووفق «كابيتال إيكونوميكس» (Capital Economics)، هبطت صادرات النفط الإيرانية إلى مستويات قريبة من الصفر في يوليو بعد إعادة الولايات المتحدة فرض الحصار، مقارنة بإيرادات بلغت 4.5 مليار دولار في يونيو.

ونقلت «وول ستريت جورنال» عن همايون فلكشاهي، رئيس تحليل النفط الخام لدى شركة تتبع السفن «كبلر» (Kpler)، قوله إن أي ناقلة لم تحمل النفط خلال الشهر الجاري من جزيرة خرج، محطة التصدير الرئيسية للخام الإيراني.

تقلص كذلك هامش الأمان الذي توفره المخزونات العائمة، إذ تراجع النفط الإيراني المخزن في البحر خارج نطاق الأسطول الأميركي من نحو 180 مليون برميل إلى قرابة 60 مليون برميل مطلع يوليو، بحسب «كابيتال إيكونوميكس».

معدلات تضخم قياسية وضغوط معيشية على الأسر الإيرانية

في الداخل، رصدت «وول ستريت جورنال» اتساع الضغوط المعيشية بالتزامن مع تراجع الإيرادات النفطية، إذ تجاوز التضخم السنوي 80%، بينما ارتفعت أسعار الدجاج 190% مقارنة بالعام الماضي، والحليب 150%.

ويتوقع «صندوق النقد الدولي» (IMF) انكماش الاقتصاد الإيراني بنسبة 5.4% هذا العام، فيما يقدر كحل زاده أن تؤدي الحرب في نهاية المطاف إلى فقدان ما بين مليوني وثلاثة ملايين وظيفة.

لكن الرهان الأميركي يواجه معضلة تتمثل في أن إضعاف الاقتصاد لا يعني بالضرورة تغيير حسابات القيادة الإيرانية. وأشارت الصحيفة إلى أن إعادة ترتيب واسعة للقيادة خلال الأيام الأخيرة دفعت بمحافظين متشددين مخضرمين إلى مواقع تشرف على السياسة الأمنية ومؤسسات الدولة المعنية بالأمن، وسط مؤشرات على تعزيز نفوذهم على حساب التكنوقراط والبراغماتيين الذين يدفعون باتجاه المفاوضات لحماية ما تبقى من الاقتصاد.

ونقلت الصحيفة عن وليام جاكسون، كبير اقتصاديي الأسواق الناشئة لدى «كابيتال إيكونوميكس»، قوله إن تأثير الضغوط الاقتصادية في موقف إيران التفاوضي سيعتمد على التوازنات الداخلية، في ظل انقسام القيادة وصعود المتشددين.

آليات إدارة الندرة ودعم السلع الأساسية في طهران

بحسب التقرير، يترافق التشدد السياسي مع استراتيجية اقتصادية تركز على الاستمرار بدلاً من التعافي. وتشمل الأدوات المتاحة أمام طهران تقنين الوقود والكهرباء، وتقييد الحصول على العملات الأجنبية، وطباعة النقود لتمويل الأجور وإعادة الإعمار والإنفاق الحكومي رغم تراجع الإيرادات، إلى جانب تأجيل المدفوعات والاستثمارات واستخدام شبكات الالتفاف على العقوبات للحفاظ على جزء من التجارة الخارجية.

وبدأت هذه السياسات تظهر بالفعل، إذ فرضت السلطات انقطاعات دورية للكهرباء وقيوداً على المصانع، فيما سُمح لبعض المنشآت بنقل الإنتاج إلى أيام الجمعة لتعويض خسائر الإنتاج.

كما اعتمدت الحكومة سعراً مدعوماً للعملة لتمويل واردات تصل قيمتها إلى 3.5 مليار دولار، تشمل القمح والأدوية وحليب الأطفال، بما يمنح السلع الأساسية أولوية في استخدام الموارد المحدودة من النقد الأجنبي.

وأفادت الصحيفة بأن السلطات أطلقت أيضاً برنامجاً يسمح للأسر المستفيدة من الرعاية الاجتماعية بشراء السلع الأساسية بالائتمان، على أن تخصم الديون غير المسددة من التحويلات النقدية المستقبلية، مع خطط لتعديل قيمة قسائم الغذاء كل ثلاثة أشهر لمواكبة التضخم.

في الوقت نفسه، بدأت الأسر تقليص الإنفاق إلى الضروريات مثل الغذاء والوقود والأدوية، مع استغناء بعضها عن اللحوم وشراء المواد الأساسية بكميات محدودة نتيجة تآكل القوة الشرائية للأجور.

صراع الوقت بين واشنطن وطهران ورهانات الأسواق العالمية

يمكن لـ«اقتصاد البقاء» أن يمنح إيران وقتاً إضافياً، لكنه يحمل كلفة متراكمة، إذ قد يؤدي استمرار ضعف الاستثمار إلى تآكل القاعدة الإنتاجية والمالية وتحويل الاختلالات الحالية إلى مشكلات أعمق، خصوصاً إذا تعرضت البنية التحتية للطاقة لأضرار كبيرة في جولات عسكرية جديدة.

وتشير «وول ستريت جورنال» إلى أن تجارب دول مثل كوبا بعد ثورة 1959 وفنزويلا خلال العقود الأخيرة تظهر أن الانهيار الاقتصادي لا يقود بالضرورة إلى تنازلات سياسية، إذ تمكنت حكومات من الاستمرار رغم أزمات اقتصادية حادة عبر أدوات السيطرة الداخلية وشبكات توزيع الموارد.

وهنا يتحول عامل الوقت إلى محور الرهان بين واشنطن وطهران. فإذا استطاعت إيران تحمل الضغوط لفترة أطول من التقديرات الأميركية، فقد تحتفظ بأوراقها المرتبطة بـ«مضيق هرمز»، بينما تتزايد كلفة اضطرابات الطاقة والشحن والتضخم على الاقتصاد العالمي والولايات المتحدة مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي.

ويرى كحل زاده أن الطرفين قد يكونان محقين في الاتجاه العام؛ فالضغط المطول قد يقيد خيارات إيران في نهاية المطاف، وإطالة المواجهة قد ترفع الكلفة السياسية على واشنطن. لكن كليهما قد يخطئ في تقدير المدة اللازمة قبل أن تصبح هذه الضغوط حاسمة.

رويترز: إيران تستهدف إعادة إنتاج الغاز المتضرر من الحرب


هذا المحتوى مقدم من إرم بزنس

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من إرم بزنس

منذ ساعتين
منذ 7 دقائق
منذ 7 دقائق
منذ 3 ساعات
منذ ساعة
منذ ساعتين
قناة CNBC عربية منذ 15 ساعة
قناة العربية - الأسواق منذ ساعة
قناة CNBC عربية منذ 4 ساعات
الشرق بلومبرغ منذ ساعتين
الشرق بلومبرغ منذ ساعتين
الشرق بلومبرغ منذ ساعتين
الشرق بلومبرغ منذ ساعتين
قناة CNBC عربية منذ ساعتين