د.روان جيوسي تتناقش إدارات وسائل الإعلام يومياً حول التحول الرقمي وكيفية تحقيقه داخل المؤسسات، فيما تتابع الأقسام الرقمية تغير الخوارزميات، وأعداد المتابعين، وأشكال التفاعل، ويستمر النقاش حول خفض النفقات، ورفع الإيرادات، وتعزيز القدرة على المنافسة.
يحدث ذلك كله في ظل أزمة أوسع تتمثل في تراجع ثقة الجمهور بوسائل الإعلام، وتراجع مساحات الحرية الصحفية في العديد من البيئات، والتغير الجذري في عادات استهلاك الأخبار.
لكن ربما تكون الحقيقة الأكثر إرباكاً أن القيمة المضافة للخبر نفسه لم تعد كما كانت؛ فلخبر لم يعد سلعة نادرة ينتظرها الجمهور من صحيفة أو إذاعة أو تلفزيون، بل أصبح مادة سريعة تصل عبر المنصات إلى الهواتف الذكية قبل أن تنتهي غرفة الأخبار من تحريرها. ومع قدرة أي شخص تقريباً على نقل المعلومة وإعادة إنتاجها وتوزيعها، انتقلت القيمة تدريجياً من امتلاك المعلومة إلى القدرة على إنتاج المعرفة حولها.
وفي الغرفة الأخرى، يقبع الصحفيون والصحفيات أمام أسئلة مقلقة ومتشابكة: هل انتهت الصحافة بموت الخبر؟ هل أصبح الصحفي المحترف في منافسة غير عادلة مع صناع المحتوى والمؤثرين؟ وهل سنتراجع عن أدوارنا في التوعية والتثقيف والإخبار، ونرضخ لما تحتاجه المنصات من محتوى سريع، وقابل للانتشار، ومدرّ للدخل؟
وربما يكون السؤال الأكثر إثارة للقلق: هل سيتم استبدالنا بالذكاء الاصطناعي؟ قد تكون الإجابة الأولى: لا. لكن الإجابة الأكثر صدقاً وتعقيداً هي أن الصحافة التي تكتفي بإنتاج ما تستطيع الآلة والمنصة إنتاجه ستكون بالفعل أمام خطر حقيقي؛ فالذكاء الاصطناعي يستطيع التلخيص، والترجمة، والتفريغ، وتحليل البيانات، وإنتاج المسودات، واقتراح العناوين، بينما تستطيع المنصات إيصال المحتوى إلى جمهور هائل بسرعة لا تستطيع معظم المؤسسات الإعلامية منافستها فيها.
لكن ذلك لا يعني أن الآلة تستطيع أن تحل محل الصحافة؛ بل يعني أن علينا أن نعيد تعريف دور الصحفي وموقعه في العملية الإعلامية، وأن نسأل من جديد عن أهمية الصحافة وضرورتها وحاجتها وقيمتها المضافة ومسؤوليتها الأخلاقية.
لم يعد ممكناً تأجيل النقاش العلمي والمهني حول واقع الصحافة والإعلام في عالمنا العربي. ففي ظل تراجع القيمة الاقتصادية والتنافسية للخبر، علينا أن نسأل: ما الذي سيملأ الفراغ؟ هناك اليوم نقاش متزايد حول أهمية القصة المحلية الغائبة عن الشاشات الكبرى، وحول الصحافة البناءة وصحافة الحلول، وحول الحاجة إلى التحليل والتفسير بدلاً من الاكتفاء بالنقل. لكن هذا التحول يجب ألا يقود إلى استبدال الخبر بالتحليل الجاهز، أو المراسل بالمحلل، أو الوقائع بالآراء.
ونحن نرى بالفعل هذا التحول داخل غرف الأخبار. ففي الوقت الذي أصبحت فيه الأخبار العاجلة متاحة للجميع، تفرد القنوات الإخبارية ساعات طويلة للمحللين والخبراء، ليس لأن الجمهور لا يريد معرفة ما حدث، وإنما لأنه يريد أن يفهم لماذا حدث، وماذا يعني، وماذا سيحدث بعد ذلك.
وهنا تنتقل القيمة من الخبر إلى المعنى. لكن تقديم المحلل على المراسل يطرح سؤالاً آخر لا يقل أهمية: أي نوع من الوعي يتشكل عندما تقدم للجمهور كميات هائلة من المعلومات الجاهزة في صورة تحليل وحقيقة؟ وكيف تتحول الاتجاهات والتقديرات إلى حقائق، في ظل غياب التفكير النقدي ومهارات الدراية الإعلامية التي تمكن الجمهور من السؤال عن ملكية وسيلة الإعلام، وتوجهاتها، ومصالحها، وموقع المحلل نفسه، وتوقيت تحليله، وارتباطاته السياسية أو الاقتصادية أو الأمنية؟
لذلك، لا ينبغي أن تكون الاستجابة هي تحويل الجمهور من متلقٍ سلبي للأخبار إلى متلقٍ سلبي للتحليل، وإنما إلى مشارك قادر على مساءلة ما يقرأ ويسمع ويشاهد. فالصحافة لا تقوم فقط على تقديم الإجابات، بل على مساعدة الجمهور في معرفة الأسئلة التي ينبغي طرحها، والتمييز بين الحقيقة والرأي، وبين المعلومة والتفسير، وبين التحليل القائم على الأدلة والموقف الذي يرتدي ثوب التحليل.
ومن هنا تبرز أهمية صحافة الميدان والعودة إلى الناس واستلهام القصة من الواقع. فالقصة الصحفية لا ينبغي.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من صحيفة الغد الأردنية
