أظهرت دراسة جديدة طريقة مبتكرة لاستخدام ChatGPT، وتحديداً نموذج GPT-4، في إنشاء استبيانات لتقييم الشخصية والتحقق من صلاحيتها والتنبؤ باستجابات مجموعات سكانية كاملة لها، انطلاقاً من أي نص مصدر تقريباً.
واختبر الباحثون هذه الطريقة من خلال إنشاء استبيانين اعتماداً على نصين متناقضين تماماً من حيث الأساس العلمي: الأول مأخوذ من الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسية DSM-5 المستخدم في الطب النفسي، والثاني من كتاب غير علمي عن التنجيم والأبراج.
وأظهرت النتائج أن الاستبيانات التي أنشأها نموذج اللغة الكبير استطاعت استخراج إشارات نفسية ذات معنى من كلا النصين. كما أظهر الاستبيان المستند إلى DSM-5 درجة مرتفعة من الاتساق الداخلي، واقتربت نتائجه من استبيان العوامل الخمسة الكبرى للشخصية BFI، الذي يعد من أكثر اختبارات الشخصية اعتماداً وتحققاً.
والأكثر إثارة للاهتمام أن GPT-4 تمكن من التنبؤ بالطريقة التي سيجيب بها المشاركون البشر على أسئلة الاستبيانات، كما توقع أنماط الترابط بين الأسئلة قبل أن تُعرض الاستبيانات فعلياً على المشاركين.
ويرى الباحثون أن هذه النتائج تشير إلى أن نماذج اللغة الكبيرة ربما طورت، من خلال تدريبها على كميات هائلة من النصوص البشرية، نماذج داخلية متقدمة لطريقة عمل علم النفس البشري على مستوى السكان، ما قد يفتح الباب أمام استخدامها في تطوير الاختبارات النفسية بسرعة أكبر وتقييم الاستبيانات بصورة آلية.
ماذا كشفت الدراسة؟
أحد أبرز الاستنتاجات هو أن GPT-4 أظهر فهماً ضمنياً لبنية الشخصية البشرية، رغم أنه لم يُدرّب خصيصاً على نظريات الشخصية أو علم النفس.
ويرى الباحثون أن السبب يعود إلى أن سمات الشخصية تنعكس بصورة مستمرة في اللغة اليومية، وبالتالي فإن تدريب نماذج اللغة على تريليونات الكلمات والنصوص المنشورة على الإنترنت قد يسمح لها بالتقاط العلاقات والأنماط النفسية الموجودة في اللغة بصورة غير مباشرة.
كما كشف الاختبار عن فرق واضح بين الاستبيان المستند إلى DSM-5 والاستبيان المستند إلى التنجيم.
فالاستبيان المبني على DSM-5 أظهر اتساقاً داخلياً مرتفعاً بين السمات النفسية المرتبطة ببعضها في الواقع، بينما أظهر استبيان الأبراج ضعفاً في الاتساق بين السمات التي تربطها كتب التنجيم بعلامات الأبراج المختلفة.
ومع ذلك، لم يكن استبيان التنجيم عديم الفائدة تماماً. فرغم أن توزيع السمات على الأبراج لا يستند إلى أساس علمي، استطاع ChatGPT استخراج عبارات تتعلق فعلياً بالشخصية، وكانت إجابات المشاركين عنها قادرة على التنبؤ بنتائج حياتية ونفسية مثل الاكتئاب والقلق والرفاه النفسي، بمستويات قريبة من استبيان العوامل الخمسة الكبرى.
كيف أُجريت الدراسة؟
نشرت الدراسة في 6 أغسطس في مجلة iScience التابعة لمجموعة Cell Press، وشرح الباحثون فيها كيفية تطوير طريقة تسمح بإنشاء استبيانات للشخصية باستخدام ChatGPT اعتماداً على أي نص مصدر.
ولاختبار الطريقة، استخدم الفريق مقتطفات من DSM-5، الذي يعتمد عليه الأطباء والمتخصصون في تشخيص الاضطرابات النفسية.
وانطلق الباحثون من افتراض أن سمات الشخصية يمكن النظر إليها باعتبارها موجودة على امتداد طيف يتصل باضطرابات الشخصية.
وطلبوا من GPT-4 إنشاء استبيان يحتوي على عبارات تصف سمات الشخصية استناداً إلى أوصاف اضطرابات الشخصية الواردة في DSM-5.
فعلى سبيل المثال، اعتماداً على القسم الخاص بـاضطراب الشخصية الزورانية أو البارانوية، أنشأ النموذج عبارات مثل:
«غالباً ما يشك في دوافع الآخرين».
وأخرى مثل:«يجد من السهل الوثوق بالناس».
وطُلب من المشاركين تحديد درجة اتفاقهم مع كل عبارة على مقياس يمتد من 1، أي لا أوافق بشدة، إلى 5، أي أوافق بشدة.
أما الاستبيان الثاني، فأنشأ GPT-4 عباراته بالطريقة نفسها، لكنه اعتمد هذه المرة على السمات الشخصية التي ينسبها كتاب التنجيم إلى علامات الأبراج المختلفة.
لماذا اختار الباحثون التنجيم؟
قال المؤلف الرئيسي للدراسة روتم مونسا من الجامعة العبرية في القدس إن الفريق أراد اختيار نصين يقدمان وصفاً غنياً للشخصية البشرية، لكنهما يقعان على طرفي نقيض من حيث الأساس العلمي.
وأوضح أن DSM-5 جرى تطويره وتحسينه على مدى عقود من الأبحاث السريرية، ويعد الدليل التشخيصي القياسي في الطب النفسي السريري حول العالم.
أما نص التنجيم، فهو قائم بدرجة كبيرة على الثقافة والمعتقدات، لكنه غير مثبت علمياً.
وبذلك استطاع الباحثون اختبار ما إذا كان النموذج يستخرج البنية النفسية الفعلية الموجودة في النص، أم أنه سيعيد ببساطة إنتاج العلاقات التي يفرضها المصدر.
600 مشارك واختبار مقابل «العوامل الخمسة الكبرى»
بعد إنشاء الاستبيانين باستخدام نموذج اللغة الكبير، قدمهما الباحثون إلى 600 مشارك.
وفي الوقت نفسه، أكمل هؤلاء المشاركون استبيان العوامل الخمسة الكبرى للشخصية BFI، بهدف مقارنة نتائج الاستبيانات الجديدة بأحد أكثر مقاييس الشخصية اعتماداً واستخداماً.
وأظهرت نتائج الاستبيان المستند إلى DSM-5 درجة عالية من الاتساق الداخلي داخل مجموعات السمات الشخصية.
والمقصود بالاتساق الداخلي أن السمات التي ترتبط عادة ببعضها في الحياة الواقعية ظهرت مرتبطة أيضاً في إجابات المشاركين.
فعلى سبيل المثال، السمات المرتبطة بـالتجنب والاعتمادية أظهرت ترابطاً في الإجابات بالطريقة المتوقعة نفسياً.
والأهم أن هذه النتائج جاءت مشابهة للأنماط التي ظهرت في استبيان العوامل الخمسة الكبرى، وهو ما قدم دليلاً إضافياً على قدرة الاستبيان الذي أنشأه GPT-4 على قياس أنماط حقيقية في علم النفس البشري.
ماذا حدث مع استبيان الأبراج؟
كما توقع الباحثون، أظهر الاستبيان المستند إلى التنجيم اتساقاً داخلياً ضعيفاً بين السمات.
وقال مونسا إن البيانات تشير إلى أن العناصر الفلكية لا تمثل أبعاداً نفسية متماسكة.
فعلى سبيل المثال، الصفات التي يضعها التنجيم معاً تحت ما يسمى «الأبراج.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من صحيفة الغد الأردنية
