مصر تختبر الصكوك الضريبية.. سوق جديد لتمويل عجز الموازنة

تختبر مصر أداة تمويل جديدة تربط بين إدارة الدين والإيرادات الضريبية، عبر إصدار صكوك تتيح للخزانة الحصول مقدماً على جزء من الحصيلة الضريبية المستقبلية، في خطوة تستهدف تنويع مصادر تمويل الموازنة والاستفادة من السيولة المتاحة لدى الشركات والممولين خارج القنوات التقليدية لأدوات الدين.

وتستهدف وزارة المالية جمع ما بين 50 و100 مليار جنيه من أول إصدار للصكوك المدعومة بالإيرادات الضريبية، بأجل عام واحد، فيما تدرس اللجنة المشرفة على البرنامج عائداً يصل إلى 20% معفى بالكامل من الضرائب، وفق مسؤول حكومي نقلت عنه منصة «إنتربرايز إيه إم».

وتضع هذه الأرقام الإصدار المرتقب في موقع تنافسي أمام أدوات الادخار والدين قصيرة الأجل، لكنها تفتح في الوقت نفسه حسابات تتعلق بكلفة التمويل على الخزانة وأثر تقديم موعد تحصيل الضرائب على تدفقات الموازنة اللاحقة. فالأداة لا تولد حصيلة ضريبية إضافية، وإنما تعيد توزيع التدفقات زمنياً عبر تسييل جزء من الإيرادات المستقبلية.

ويأتي التحرك في مرحلة تعمل فيها وزارة المالية على إعادة هيكلة محفظة الدين وخفض الاحتياجات التمويلية وإطالة آجال الاستحقاق. وتؤكد السلطات المصرية في وثائق برنامجها مع «صندوق النقد الدولي» أنها تتجه إلى زيادة وزن الأدوات الأطول أجلاً وإدخال أدوات جديدة، بينها الصكوك، لتوسيع قاعدة المستثمرين والحد من مخاطر إعادة التمويل.

«المركزي المصري» يطرح أذون خزانة بـ2.1 مليار دولار لتمويل عجز الموازنة

خطة الـ 100 مليار جنيه والدين المحلي

يعتمد النموذج المقترح على تقديم جزء من الإيرادات الضريبية التي كان يفترض أن تحصلها الخزانة في فترة لاحقة، مقابل تمويل تحصل عليه حالياً، بما يوفر قناة لإدارة السيولة تختلف في هيكلها عن الاقتراض المباشر عبر أذون وسندات الخزانة.

لهذا استقرت وزارة المالية، وفق المسؤول الحكومي، على أجل عام واحد للإصدار الأول، بهدف الحد من أثر الأداة على الحصيلة الضريبية المستقبلية وتجنب إيجاد فجوة ممتدة في الإيرادات. ويتراوح الحجم المستهدف بين 50 و100 مليار جنيه، بما يجعل الإصدار الأول اختباراً لحجم الطلب قبل تحديد نطاق استخدام الأداة لاحقاً.

ويكتسب اختيار الأجل أهمية إضافية بالنظر إلى هيكل الدين المحلي. فوفق أحدث تقرير لـ«صندوق النقد الدولي»، لا يزال نحو 60% من الدين المحلي المصري قصير الأجل، بينما تدور الاحتياجات التمويلية الإجمالية حول 40% من الناتج المحلي الإجمالي خلال السنوات الثلاث المقبلة، وهو ما يبقي الخزانة معرضة لمخاطر تجديد الديون وتحركات أسعار الفائدة.

وتعمل الحكومة بالتوازي على تغيير هذا الهيكل. وتشمل خطة إدارة الدين برنامجاً أسبوعياً للصكوك بآجال تتراوح بين ثلاث وخمس سنوات، إلى جانب عمليات لإدارة الالتزامات واستبدال أجزاء من الدين قصير الأجل بأدوات أطول استحقاقاً. وتستهدف الإجراءات خفض الاحتياجات التمويلية الإجمالية بنحو 6% من الناتج المحلي خلال 2025/2026، وبنحو 10% بصورة تراكمية بحلول نهاية 2026/2027.

ما العائد من الإعفاء الضريبي؟

يمثل التسعير العنصر الأكثر حساسية في هيكل الإصدار المقترح، فاللجنة المشرفة تدرس عائداً يصل إلى 20% معفى بالكامل من الضرائب، بهدف استقطاب فوائض السيولة لدى الشركات وكبار الممولين.

وبحسب المسؤول الحكومي، يقارن ذلك بعائد اسمي يقارب 20% على أذون الخزانة، ينخفض إلى نحو 16% بعد احتساب ضريبة بنسبة 20%، بينما يدور صافي العائد على الودائع والشهادات لأجل عام حول 17%.

وبذلك يمنح الإعفاء المقترح الصكوك علاوة واضحة في صافي العائد مقارنة ببعض البدائل قصيرة الأجل، وهي ميزة تستهدف تحويل جزء من السيولة الموجودة في ميزانيات الشركات إلى تمويل مباشر للخزانة.

لكن المقارنة بالنسبة إلى المالية العامة تختلف عن حسابات المستثمر. فالإعفاء يرفع جاذبية الأداة من جهة، لكنه يدخل ضمن الكلفة الاقتصادية للتمويل من جهة أخرى، ما يجعل سعر الإصدار النهائي عاملاً حاسماً في تحديد ما إذا كانت الصكوك ستوفر تمويلاً أكثر كفاءة أم ستضيف أداة مرتفعة الكلفة إلى محفظة الدين.

وتزداد حساسية هذه المعادلة مع ارتفاع عبء خدمة الدين. ويقدر «صندوق النقد» أن مدفوعات الفائدة تستوعب نحو 83% من الإيرادات الضريبية، فيما تبقى الاحتياجات التمويلية مرتفعة رغم تراجع نسبة الدين العام إلى الناتج.

الفئات المستهدفة وحجم الاكتتاب

لم تحسم وزارة المالية بعد قاعدة المكتتبين، إذ تدرس اللجنة نموذجين؛ الأول يقصر المشاركة على كبار دافعي الضرائب والمستثمرين، والثاني يفتحها أمام جميع الممولين، مع سقف للاكتتاب يعادل 15% من الالتزام الضريبي المثبت في الإقرار.

ويشير تصميم الأداة إلى استهداف السيولة المؤسسية بصورة رئيسية، خصوصاً أن الصكوك ستصدر، وفق المعلومات المتداولة، بأربع فئات تبلغ 10 آلاف جنيه و100 ألف جنيه ومليون جنيه و10 ملايين جنيه، ولن تكون قابلة للبيع أو التحويل.

ويختلف ذلك عن أدوات الدين القابلة للتداول في السوق الثانوي، إذ يرتبط الصك هنا بصورة أوثق بالممول والتزامه الضريبي، ما يحد من سيولته كأصل مالي لكنه يمنحه وظيفة مباشرة ضمن العلاقة بين الخزانة ودافع الضريبة.

وتأتي هذه الآلية بالتزامن مع إصلاحات أوسع في الإدارة الضريبية. فقد أكدت مصلحة الضرائب المصرية في يوليو أن التعديلات الأخيرة تستهدف تبسيط الإجراءات وتحقيق التوازن بين دعم النشاط الاقتصادي والحفاظ على موارد الدولة، إلى جانب تعزيز الشفافية والالتزام وتحسين العلاقة مع مجتمع الأعمال.

مقر مركز الخدمات الضريبية المميزة بالعلمين الجديدة ،مصر- 18 أغسطس 2026

المصدر: صفحة مصحلة الضرائب المصرية على فيسبوك

آلية تسوية الالتزامات الضريبية مقابل الصكوك

يبقى تحديد تاريخ الوفاء بالالتزام الضريبي من أبرز المسائل الفنية التي لم تحسم بعد. إذ يدرس مستشار وزارة المالية اعتبار تاريخ إصدار الصك هو تاريخ السداد الرسمي للضريبة، بما يسمح للمكتتب بالحصول على شهادة مخالصة ووقف احتساب مقابل التأخير والضرائب الإضافية على الالتزامات المشمولة، بما فيها الفروق التي قد تظهر لاحقاً نتيجة الفحص.

ويكتسب حسم هذه المسألة أهمية بالنسبة إلى تسعير الأداة وحقوق المستثمر، لأن الصك يجمع بين وظيفة تمويلية وأثر مباشر على المركز الضريبي للمكتتب.

ولدى مصر بالفعل إطار يتوسع في تنظيم العلاقة بين الصكوك والضرائب. ففي مارس الماضي، وقعت مصلحة الضرائب و«الشركة المصرية للإيداع والقيد المركزي» مذكرة تفاهم لتنظيم المعاملة الضريبية لعوائد الصكوك السيادية للمستثمرين غير المقيمين، وقالت المصلحة إن الخطوة تستهدف توفير إطار منضبط وزيادة اليقين الضريبي للمستثمرين في أدوات الدين الحكومية.

أي تأثير على أدوات التمويل التقليدية؟

تتحدد القيمة المالية للصكوك الضريبية في قدرتها على توسيع قاعدة ممولي الخزانة، وليس فقط في حجم الأموال التي يمكن جمعها من الإصدار الأول.

فاستراتيجية إدارة الدين المصرية تتجه بالفعل إلى تنويع الأدوات وإطالة آجال الاستحقاق. وتشير وثائق السلطات المصرية إلى أن وزارة المالية تعمل على تحسين مزيج التمويل وإدخال الصكوك لتوسيع قاعدة المستثمرين، ضمن أولوية معلنة لخفض الدين وأعباء خدمته والاحتياجات التمويلية الإجمالية.

ومن هذه الزاوية، سيكون مصدر السيولة التي تجذبها الأداة مهماً. فاستقطاب فوائض مالية لا تتجه حالياً إلى الدين الحكومي يوسع قاعدة التمويل الفعلية، بينما انتقال الأموال من أذون الخزانة أو الودائع إلى الصكوك يعني بدرجة أكبر إعادة توزيع السيولة بين أدوات قائمة وجديدة.

كما أن تقديم الحصيلة الضريبية يفرض قيداً على حجم الإصدارات، لأن استخدام جزء من إيرادات الفترة المقبلة اليوم يخفض التدفقات التي ستصبح متاحة عند حلول موعد تحصيلها الأصلي. ولذلك سيحدد التوازن بين حجم الإصدار وكلفته وأثره على الإيرادات المستقبلية قدرة الأداة على الاستمرار.

ومن المتوقع أن يصدر وزير المالية أحمد كجوك القواعد التنفيذية الشاملة للبرنامج بنهاية أغسطس، وفق المسؤول الحكومي، وهي القواعد التي ستحدد بصورة نهائية هيكل الإصدار، وشروط الاكتتاب، والمعاملة الضريبية وآلية السداد.

مصر.. هل تسهم الصكوك الضريبية في خفض فاتورة خدمة الدين؟


هذا المحتوى مقدم من إرم بزنس

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من إرم بزنس

منذ 9 ساعات
منذ 10 ساعات
منذ ساعة
منذ 22 دقيقة
منذ 3 ساعات
منذ ساعتين
صحيفة الاقتصادية منذ 21 ساعة
صحيفة الاقتصادية منذ 22 ساعة
الشرق بلومبرغ منذ 6 ساعات
الشرق بلومبرغ منذ ساعة
قناة CNBC عربية منذ 7 ساعات
صحيفة الاقتصادية منذ 18 ساعة
الشرق بلومبرغ منذ 9 ساعات
قناة CNBC عربية منذ 7 ساعات