انهيار أهم معادلة في الكونيات.. هل نحن أمام قصة جديدة للوجود؟

خبرني - يعتقد العلماء أن الكون بدأ قبل نحو 13.8 مليار سنة عبر حدث نعرفه باسم "الانفجار العظيم"، لم يكن انفجارا وقع في مكان موجود مسبقا، بل كان بداية تمدد الزمكان نفسه. أي إن المكان لم يكن مسرحا وقع عليه الانفجار، وإنما بدأ الكون كله بالاتساع من حالة شديدة الحرارة والكثافة، ومع هذا التمدد ظهرت المسافات بين الأجرام وتطورت بنية الكون.

وبحسب فهمنا الحالي، فإن الزمان والمكان كما نعرفهما مرتبطان بتاريخ الكون نفسه، ولذلك يصعب علميا الحديث عن "مكان" وقع فيه الانفجار العظيم أو عن "زمن" كان موجودا قبله بالمعنى المعتاد.

استمر الكون في التوسع بعد الانفجار العظيم، ولكن قبل نحو عقدين من الزمن اكتشف العلماء أن الكون يتوسع بشكل متسارع. وقد أطلق العلماء اسم الطاقة المظلمة على ذلك السبب المجهول الذي يبدو أنه يدفع تمدد الكون إلى التسارع. لا نعرف حتى الآن ماهية الطاقة المظلمة على وجه الدقة؛ فقد تكون خاصية كامنة في الفراغ نفسه، أو نتيجة لفيزياء لم نفهمها بعد.

أما نموذج "لامدا سي دي إم" ( CDM) فهو النموذج القياسي لعلم الكونيات، ويجمع كل ما سبق من أفكار وزيادة، ويمثل هذا النموذج أفضل إطار يستخدمه العلماء حاليا لوصف تطور الكون.

يشير الرمز لامدا ( ) إلى الطاقة المظلمة التي تفسر تسارع تمدد الكون، بينما تشير "سي دي إم" (CDM) إلى "المادة المظلمة الباردة"، وهي مادة لا نراها مباشرة لكنها تؤثر بالجاذبية وتساعد على تكوين المجرات والعناقيد. وبإضافة المادة العادية والإشعاع، يستطيع هذا النموذج تفسير قدر كبير من تاريخ الكون، من مراحله المبكرة جدا إلى بنيته الحالية.

ورغم نجاح هذا النموذج في تفسير تاريخ الكون وبنيته، فإنه قد لا يكون الصورة النهائية. فالنموذج يفترض أن الطاقة المظلمة هي ثابت كوني، أي أن كثافتها تظل ثابتة مع الزمن، ولكن منذ عام مضى، نجح أقوى تلسكوب لدينا في رسم أدق خريطة للكون حتى الآن، وبينما يشق سبيله نحو هذه المهمة، إذ به يصطدم بمفاجأة لم تكن في الحسبان. فالطاقة المظلمة -تلك القوة الغامضة التي تؤثر على أطراف الكون وتدفعه نحو التباعد- تبدو اليوم وكأنها تخبو وتضعف عكس توقعاتنا عنها منذ زمن باعتبارها قوة ثابتة.

يبدو أن النموذج القياسي الذي اعتبرناه ضمن أعظم انتصارات العلم، بدأ يواجه بعض التحديات، وأصبحنا أمام لحظة نادرة تجبرنا على التساؤل: هل أخطأت تلسكوباتنا الحديثة؟ أم أننا بحاجة إلى إعادة كتابة قصة الكون من جديد؟ هذه المادة المترجمة من نيو ساينتست تطلعك على تفاصيل "المعركة" الجديدة التي يخوضها علماء الكونيات، ضد نظرياتهم الأكثر رسوخا.

نص الترجمة:

لو أفسحنا المجال لمخيلتنا قليلا وتصورنا قصة الكون فيلما يخضع لعمليات تحرير وتعديل لا نهائية، لكان علماء الكونيات هم صناعه المهووسون بتنقيح المشاهد باستمرار، وتُعد النسخة التي بين أيديهم حاليا إنجازا ملحميا يبدأ بانفجار عظيم يليه انبثاق الزمكان (نسيج الزمان والمكان)، ثم انسياب الفصول الباقية من القصة بجلال ومهابة لتتشكل النجوم والمجرات تحت وطأة جاذبية المادة المرئية والمادة المظلمة الغامضة، فيما يمضي الوجود كله متوسعا في هدوء وسكينة، تحركه قوة غامضة تُعرف بالطاقة المظلمة.

غير أن هذا السيناريو لا يمكن أن يكون النسخة النهائية من قصة الكون. فكلما حاولنا سبر أغوار الفضاء، بدت لنا القصة مجتزأة وحافلة بثغرات وتناقضات مؤرقة، كما أن مساراتها الرئيسية يشوبها من الغموض ما يبعث على الحيرة. ولعقود، واصل علماء الكونيات سعيهم متلمسين طريقهم نحو تعديل هذا السيناريو.

واليوم، يمنحهم الكون أخيرا إلهاما جديدا، فقد رسم تلسكوب عملاق معالم ملايين المجرات السحيقة، متتبعا حركة تمدد الكون بدقة استثنائية غير مسبوقة. ومن خلال هذه النتائج، يبدو أن الطاقة المظلمة تتبنى سلوكا شديد الغرابة قادرا على نسف الصورة التي توهمنا أننا نعرفها عن الكون.

إن صحّت هذه الفرضية، فسنكون أمام تحول مثير يتأهب له المنظرون لإعادة صياغة قصة الطاقة المظلمة من فصولها الأولى. صحيح أن مآلات هذه الرحلة لم تتضح معالمها بعد، لكن فكرة أننا على وشك ابتكار قصة كونية أشد ثراء وأحفل بالتفاصيل تؤنس الكثيرين، إذ تُعتبر في النهاية قصة مختلفة تماما عن كل ما عهدناه.

عن ذلك يقول آدم ريس، عالم الفيزياء الفلكية بجامعة جونز هوبكنز بولاية ماريلاند والحائز جائزة نوبل في الفيزياء لعام 2011 لمساهمته في اكتشاف الطاقة المظلمة: "إننا حاليا في خضم لحظة مثيرة وبليغة الأثر، فلو كان أحدهم يصور فيلما وثائقيا يروي قصة اكتشافنا للكون ومراحله، لحذرتُ المشاهدين من التحرك إلى أي مكان ولو لثانية واحدة".

الصورة الحالية

لا يمكن اعتبار صورتنا الحالية عن الكون وليدة المصادفة أو صنيعة يوم وليلة، بل هي نتاج مجهودات استمرت لقرن كامل من الزمن. فقد بدأت منذ عام 1915 مع كتابة ألبرت أينشتاين لنظرية النسبية العامة، تلك التي تصف الجاذبية بأنها النتيجة الحتمية للتشوه الذي تسببه الكتل العملاقة في نسيج الزمكان. حينذاك، ساد اعتقاد بأن الكون ثابت لا يتحرك. وعليه أقحم أينشتاين حدا رياضيا في معادلاته يضمن هذا الثبات مطلقا عليه اسم "الثابت الكوني" (هو طاقة ثابتة مرتبطة بالفراغ نفسه، استخدم لتأكيد أن الكون ثابت لا يتمدد، ويستخدم حاليا في نموذج لامبدا سي دي إم لتفسير تسارع تمدد الكون)*.

غير أن ذلك كله تغير مع قدوم عام 1929 حينما رصد عالم الفلك إدوين هابل مجرات سحيقة تهرول متباعدة عن بعضها في إشارة إلى أن الكون يتمدد، وهو ما أجبر أينشتاين على التخلي عن مفهوم الثابت الكوني. في غضون ذلك، أعلنت نظرية الانفجار العظيم عن نفسها واستغرق الأمر عقودا لترسخ مكانتها.

فعلى الرغم من كونها تبدو اليوم حقيقة ثابتة لا سبيل للشك فيها، فإن الأوساط العلمية لم تتخذها كنظرية يمكن التعويل عليها، ولم تستطع منافسة نظرية الحالة الثابتة للكون إلا في الستينيات، حين رصد علماء الفلك بحرا من الإشعاع البدائي المتبقي من الانفجار العظيم المعروف باسم إشعاع الخلفية الكونية الميكروي (CMB)، الذي أتى بخصائص تؤكد بدقة ما قدمته التنبؤات النظرية (إشعاع الخلفية الكونية هو أقدم ضوء يمكننا رصده في الكون، انطلق بعد الانفجار العظيم بنحو 380 ألف سنة، وما يزال يملأ الفضاء حتى اليوم)*.

مع تطور قدرتنا على استكشاف أعماق الفضاء، لم تعد نظرية الانفجار العظيم كافية لتفسير كل ما استعصى على فهمنا. ففي ثمانينيات القرن الماضي، توصل علماء الفلك إلى أن جاذبية المادة المرئية غير كافية لتماسك المجرات أو تفسير تكوين عناقيدها العملاقة. وكان الحل هو الاستعانة بالمادة المظلمة الخفية لسد هذه الفجوة. وبعد عقد من الزمن، كشفت عمليات رصد النجوم المتفجرة البعيدة بقيادة ريس ورفاقه، أن تمدد الكون يتسارع. وبناء عليه، تلمس الثابت الكوني طريقه إلى الساحة مرة أخرى ولكن بلقب جديد وهو الطاقة المظلمة، ليعبر عن القوة التي تدفع الكون للتمدد بدلا من أن تحافظ على ثباته.

ما نتحدث عنه الآن شكل أساس النظرية الكونية المعتمدة اليوم في علم الكونيات والمعروفة بـ "لامدا-سي دي إم"؛ حيث يرمز حرف (لامدا) إلى الطاقة المظلمة، بينما يرمز "سي دي إم" إلى المادة المظلمة الباردة ذات الجسيمات الثقيلة والبطيئة. وعند دمج هذا النموذج مع قوانين النسبية العامة وفرضية أن الكون متناسق من كل اتجاه، تتضح الصورة الكاملة: في لحظات الكون الأولى حدث "تضخم كوني" خاطف وضخم جدا، حوّل تموجات ذرية متناهية الصغر إلى بذور عملاقة تشكلت منها لاحقا النجوم والمجرات.

واليوم، يندرج نموذج "لامدا-سي دي إم" ضمن أعظم الانتصارات التي حققها العلم في تاريخه، فهو يجمع بين براعة الاختزال والشمولية المدهشة عبر ستة متغيرات فحسب لوصف تاريخ الكون بأكمله، مقدما بذلك مجموعة من التنبؤات الدقيقة التي أكدت صحتها مجموعة متزايدة من عمليات الرصد التي تزداد دقة وإحكاما يوما بعد يوم.

تعليقا على ذلك، يقول مايك تيرنر، عالم الكونيات بجامعة شيكاغو بولاية إلينوي: "لقد حقق هذا النموذج نجاحا مدهشا. وعندما أقارنه بما كنا نمتلكه في بداية مسيرتي المهنية في علم الكونيات عام 1980، تتكاثف في أعماقي مشاعر بالذهول التام. يبدو أن ما توصلنا إليه يتجاوز أشد خيالاتنا جموحا، إنه إنجاز قادر على إثارة الدهشة في النفوس بجميع المقاييس".

ومع ذلك، وكما يعبر تيرنر: "بات هذا النجاح اليوم أقل بكثير من معقد آمالنا أو ما يمكن التسليم به". ويعود ذلك جزئيا إلى طبيعة العلم المضطربة، فحتى أكثر النظريات نجاحا ليست سوى مقاربات أولية لفهم أعمق. وبينما نختبر هذه النظريات عبر أرصاد جديدة، تبدأ بعض الثغرات ونقاط الضعف في الظهور على السطح.

فمثلا، سنجد في حالة نموذج "لامدا-سي دي إم" أن هذه الثغرات والمسائل العالقة واضحة للغاية، إذ لم تكن المادة المظلمة والطاقة المظلمة سوى عناصر مجردة جرى الاستشهاد بها استجابة لعمليات الرصد والمراقبة دون وجود تفسيرات فيزيائية لماهيتها.

زوائد مقحمة

ورغم الجهود المضنية المبذولة منذ عقود، لم يتمكن الفيزيائيون حتى الآن من رصد جسيمات المادة المظلمة مباشرة. صحيح أن الطاقة المظلمة ظل يُنظر إليها على أنها طاقة ناجمة عن تقلبات كمومية في الفضاء الفارغ، إلا أنها شكلت طوال الوقت معضلة من المنظور النظري، فقد تنبأت نظرية الكم بأن شدة هذه الطاقة أكبر بنحو 10 أس 120 مرة مما هو مطلوب لدفع توسع الكون بالشكل الذي يظهر أمام أعيننا الآن. وهو فارق هائل يعكس الفجوة بين حسابات النظرية والكون الذي نراه فعلا.

ومن جانبه، يعلّق تيرنر بقوله: "إن المادة المظلمة والطاقة المظلمة لا تتعديان كونهما زوائد مقحَمة. صحيح أن كلتيهما تؤديان وظائف معينة، وتوجد أدلة تجريبية قوية على وجودهما، لكنهما في الوقت ذاته مجرد توصيفات قائمة على المعاينة الخارجية، بما يؤكد أنهما مجرد مقدمات لشيء أكثر جوهرية".

وهنا بدأت الثغرات تظهر على السطح من جديد، وأبرزها أزمة شهيرة عُرفت عام 2015 باسم "توتر هابل". تكمن المشكلة باختصار في وجود طريقتين مختلفتين لقياس معدل تمدد الكون المعروف بثابت هابل، لكنهما تعطيان نتيجتين متناقضتين. تتمثل الطريقة الأولى في النظر إلى الماضي، إلى أقدم ضوء في الكون وهو إشعاع الخلفية الكونية الميكروي. فعندما يقيس العلماء سرعة التمدد بناء على معطيات الكون في بداياته الأولى مستخدمين نموذجهم الحالي، يتضح أن الكون يتمدد بمقدار 67 كيلومترا في الثانية لكل ميغابارسيك (وهي وحدة لقياس الأبعاد الشاسعة بين المجرات).

تتمثل الطريقة الثانية في رصد حركة المستعرات العظمى والنجوم المتغيرة الحالية. تبدأ المشكلة في الظهور بمجرد أن تبزغ نتيجة مختلفة لمعدل تمدد الكون وهو 73 كيلومترا في الثانية لكل ميغابارسيك. وتعليقا على هذه الفجوة بين القيمتين، يقول ريس: "إنه اختبار للكون من مهده إلى حاضره". ويرى أن عدم التقاء هذين الطرفين (الماضي والحاضر) عند رقم واحد، هو إشارة قوية إلى أن فهمنا للكون لا يزال مستغلقا علينا، وثمة خلل جسيم في نموذج "لامدا-سي دي إم".

ومع ذلك، لا يزال معظم علماء الكونيات متمسكين بهذا النموذج الذي ربضوا في كنفه وقتا طويلا ويرفضون تركه. ويرى ريس أن السبب الحقيقي وراء تحفظ المجتمع العلمي أو عزوفه عن تجاوز نموذج "لامدا-سي دي إم" هو نفور العلماء من التخلي عن أي نظرية يمتلكونها -خاصة إذا حققت نجاحا مبهرا إلى هذا.....

لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


هذا المحتوى مقدم من خبرني

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من خبرني

منذ 11 ساعة
منذ 3 ساعات
منذ 6 ساعات
منذ 9 ساعات
منذ 11 ساعة
منذ 11 ساعة
خبرني منذ 21 ساعة
قناة رؤيا منذ 14 ساعة
صحيفة الرأي الأردنية منذ 16 ساعة
موقع الوكيل الإخباري منذ 11 ساعة
وكالة عمون الإخبارية منذ 14 ساعة
موقع الوكيل الإخباري منذ 9 ساعات
قناة المملكة منذ 10 ساعات
خبرني منذ 16 ساعة