تدخل المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران مرحلة مختلفة في طبيعة الأدوات المستخدمة، وربما في تعريف كل طرف لمفهوم الانتصار نفسه. فبعد أشهر احتل فيها التفوق العسكري الأميركي مركز المشهد، يبدو أن مركز الثقل ينتقل تدريجياً من محاولة فرض النتائج بالقوة العسكرية المباشرة إلى محاولة إنتاجها عبر الاقتصاد.
ولا يحتاج الأمر إلى كثير من الاستنتاج، بعدما أعلن الرئيس دونالد ترامب صراحة: "ستكون هذه حرباً اقتصادية وعزلة على نطاق غير مسبوق"، مستخدماً تعبيراً أكثر دلالة حين وصف الإجراءات الجديدة بأنها "يوم إنزال اقتصادي" (Economic D-Day).
المفارقة أن الخطاب الإيراني يتحرك في الاتجاه نفسه، وإن انطلق من قراءة معاكسة. فقد قال النائب الأول للرئيس محمد رضا عارف إن "العدو يريد الآن تعويض هزيمته في الجبهة العسكرية من خلال الحرب الاقتصادية". وهكذا، ورغم الخلاف الكامل بين الطرفين بشأن نتيجة المواجهة العسكرية، ثمة تقاطع لافت في تشخيص المرحلة التالية: الاقتصاد لم يعد مجرد عامل مساعد للحرب، بل أصبح واحداً من ميادينها الرئيسية.
نائب الرئيس الأميركي: تأمين مرور المزيد من شحنات النفط عبر مضيق هرمز
لكن قراءة هذه المواجهة من خلال حجم الاقتصادين، أو عبر مؤشرات التضخم والنمو وسعر الصرف وحدها، تبقى قراءة قاصرة. فلا يوجد أي تناظر اقتصادي بين الولايات المتحدة وإيران، لكن في المقابل لا يوجد تناظر في وظيفة الاقتصاد داخل الاستراتيجية السياسية لكل منهما. وهنا تكمن المعركة الحقيقية: ليس أي الاقتصادين أقوى، فالجواب معروف، وإنما أي الطرفين يستطيع تحويل اقتصاده، وجغرافيته، وشبكاته الدولية، إلى قدرة أطول على تحمل الألم وفرضه على الآخر.
من اقتصاد النمو إلى اقتصاد البقاء
لا يمكن التقليل من حجم الضغط الذي يتعرض له الاقتصاد الإيراني. فتراجع الإيرادات، والحصار، واضطراب التجارة، والتضخم، وتراجع قيمة العملة، كلها عوامل تضغط مباشرة على الدولة والمجتمع. لكن السؤال الاستراتيجي ليس ما إذا كان الاقتصاد الإيراني يتضرر؛ فهذا أمر لا يحتاج إلى إثبات. السؤال الأكثر أهمية هو: متى يتحول الضرر الاقتصادي إلى تغيير في القرار السياسي؟
هنا يصبح من الضروري التمييز بين اقتصاد النمو واقتصاد البقاء.في اقتصاد النمو، تقاس كفاءة الحكومة بمعدلات الاستثمار والتوظيف والنمو والتضخم وتحسن القوة الشرائية ومستوى المعيشة. أما عندما تدخل الدولة في اقتصاد البقاء، فإن وظيفة الاقتصاد نفسها تتغير. لا يصبح المطلوب تحقيق الازدهار، وإنما تأمين الحد الأدنى الذي يسمح للدولة بالاستمرار: تمويل المؤسسات، وتأمين الغذاء والطاقة والسلع الأساسية، والمحافظة على عمل الأجهزة العسكرية والأمنية، ومنع تدهور الوضع المعيشي من التحول إلى أزمة سياسية.
وتصريحات عارف الأخيرة تكشف بوضوح أن القيادة الإيرانية تنظر إلى المسألة من هذه الزاوية. فهو لم يتحدث عن التضخم باعتباره مشكلة اقتصادية فحسب، بل حذر من أن "العدو نشط في الجبهة الاقتصادية والاجتماعية ويسعى إلى خلق حالة من السخط والانهيار الاجتماعي"، وطالب الحكومة بالاستعداد حتى لـ"أسوأ السيناريوهات".
هذه العبارة تحدد تقريباً نقطة الانكسار التي تخشاها طهران. فالمشكلة بالنسبة إليها ليست أن يكون التضخم مرتفعاً، أو أن يتراجع النمو، بقدر ما هي أن تتحول هذه المؤشرات إلى فقدان للقدرة الاجتماعية على تحمل الحرب. عندها فقط ينتقل الضغط الاقتصادي من تكلفة يمكن إدارتها إلى تهديد لاستقرار النظام نفسه.
ومن هنا يمكن أيضاً قراءة دعوات محمد باقر قاليباف إلى الوحدة، وانتقاداته لبعض السياسات الاقتصادية، وحديثه عن ضرورة معالجة مشكلة البنزين بـ"ذكاء". هذه ليست ملفات منفصلة تماماً عن الحرب؛ بل يمكن النظر إليها باعتبارها جزءاً من الاستعداد لجبهة داخلية قد تصبح أكثر صعوبة كلما طال أمد الحصار.
وهذا لا يعني أن "اقتصاد البقاء" محصن ضد الانهيار. على العكس، قد تكون موارده محدودة وقدرته على النمو ضعيفة. لكنه يستطيع في بعض الظروف تحمل صدمات أكبر لأن معيار نجاحه انخفض بصورة جذرية: إيران لا تحتاج في هذه المرحلة إلى اقتصاد جيد حتى تعتبر نفسها صامدة؛ تحتاج إلى اقتصاد لا ينهار.
أما الولايات المتحدة فتعمل وفق معادلة مختلفة. قدرتها الاقتصادية على تحمل المواجهة أكبر بلا مقارنة، لكنها أكثر حساسية لبعض التداعيات السياسية للاقتصاد. أسعار النفط والبنزين، والتضخم، والأسواق، وكلفة العمليات والانتشار العسكري، جميعها تمتلك امتداداً انتخابياً وسياسياً، وتكتسب حساسية إضافية مع الاقتراب من انتخابات التجديد النصفي.
ومن هنا يظهر أول أبعاد التأثير الاقتصادي غير المتناظر: الولايات المتحدة أقوى اقتصادياً، لكن القوة الاقتصادية المطلقة لا تحدد وحدها النتيجة؛ فالمعيار الأهم هو مستوى الضرر الذي يستطيع كل نظام سياسي تحمله قبل أن يضطر إلى تعديل أهدافه. فالقدرة على إضعاف اقتصاد الخصم، مثل القدرة على تدمير قدراته العسكرية، لا تعني.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من قناة العربية - الأسواق
