يدخل المغرب اختباراً تجارياً جديداً وسط تصاعد التجاذب بين واشنطن وبكين، بعدما أثارت علاقاته التجارية وموقعه اللوجستي مخاوف أميركية بشأن إمكانية استخدامه بوابة لإعادة تصدير السلع الصينية، ما يضع الرباط أمام معادلة دقيقة بين حماية شراكتها مع الولايات المتحدة والاستفادة من تنامي دورها التجاري.
وصنّف تقرير حديث للبيت الأبيض، صادر عن مكتب سياسة التجارة والتصنيع الأميركي، المغرب ضمن مجموعة من الدول التي قد تجذب الصين بهدف الالتفاف على القيود التجارية والرسوم الجمركية الأميركية المرتفعة، والاستفادة من رسوم أقل عند دخول السوق الأميركية.
ووضع التقرير، الصادر في منتصف أغسطس الجاري ونشرته صحيفة «فايننشيال تايمز» ووسائل إعلام مغربية، موانئ المملكة ضمن مجموعة من الموانئ العالمية الاستراتيجية القريبة من مناطق التجارة الحرة في 40 دولة، والتي تُستغل لمرور تدفقات تجارية صينية. ولفت التقرير إلى أن قيمة هذه التدفقات تُقدّر بما بين 40 ملياراً و303 مليارات دولار سنوياً، مع خسائر في الإيرادات الجمركية الأميركية تُقدّر بنحو 60 مليار دولار سنوياً.
ويعتقد خبراء اقتصاد مغاربة، تحدثوا لـ«إرم بزنس»، أن التقرير التجاري الأميركي لا يدين المغرب بقدر ما يسلط الضوء على موقعه التجاري المهم، ويؤكد أن المملكة قد تكون من أبرز المستفيدين، حالياً ومستقبلاً، من التنافس الأميركي الصيني على استقطاب الاستثمارات وتعظيم الحركة التجارية، خصوصاً أن التقرير قد يتحول إلى إحدى أوراق التفاوض بين الجانبين.
وصنّف التقرير الأميركي الدول إلى ثلاث فئات؛ تضم الأولى الاقتصادات الكبرى، مثل كندا والاتحاد الأوروبي والهند والمكسيك، فيما تشمل الثانية دولاً مثل فيتنام وتركيا وماليزيا، التي تتمتع باندماج أعمق في سلاسل الإمداد الصينية. أما الفئة الثالثة، التي يندرج المغرب ضمنها، فتضم اقتصادات أصغر ذات أحجام إعادة شحن مطلقة أقل، لكنها تتمتع بمزايا مثل انخفاض تكلفة العمالة، والمناطق الحرة، والوصول التفضيلي إلى السوق الأميركية.
وبخلاف موقع المملكة داخل سلاسل الإمداد الدولية وتطور بنيتها اللوجستية والصناعية، يرتبط المغرب والولايات المتحدة باتفاق للتجارة الحرة منذ عام 2006، وهو الاتفاق الوحيد من هذا النوع الذي تربط به واشنطن دولة إفريقية.
مركز صناعي عالمي.. هل يصبح المغرب جسراً بين الصين والأسواق الغربية؟
ويُعد المغرب رابع أكبر شريك تجاري للولايات المتحدة في إفريقيا، إذ ارتفع حجم التجارة الثنائية بين البلدين من نحو 1.3 مليار دولار عام 2006 إلى 5.5 مليار دولار في 2023، ثم إلى 7.4 مليار دولار في 2025.
ويأتي التقرير قبل ستة أسابيع من الزيارة المتوقعة للرئيس الصيني شي جين بينغ إلى واشنطن، في إطار زيارة متبادلة، بعدما استضاف الرئيس الأميركي دونالد ترامب في بكين في مايو الماضي، فيما لا تزال التوترات التجارية بين البلدين محتدمة، رغم الهدنة التجارية التي توصل إليها الرئيسان لمدة عام خلال لقائهما في بوسان بكوريا الجنوبية في أكتوبر 2025.
اختبار جديد لموقع المغرب التجاري
يرى الخبير الاقتصادي المغربي إدريس الفينة، في حديث لـ«إرم بزنس»، أن إدراج المغرب في التقرير الأميركي يمثل اختباراً جديداً لموقعه التجاري، وليس استهدافاً له، خصوصاً أن المملكة صُنفت ضمن المستوى الثالث، ما يجعل التقرير بمثابة وثيقة تفاوضية، وليس إجراءً قانونياً أو عقوبة، وقد يشكل ورقة ضغط في مفاوضات التجارة المتبادلة بين بكين وواشنطن قبل الزيارة المرتقبة.
وأوضح أن جوهر الاختبار يتمثل في اعتبار المغرب محطة عبور صاعدة عبر الموانئ والمناطق الحرة لتدفقات تجارية مختارة مرتبطة بالصين، في ضوء اتفاق التبادل الحر مع واشنطن. ويعتقد أن الزخم الناجم عن التنافس بين بكين وواشنطن سيعود بالنفع على المغرب تجارياً على المديين القصير والمتوسط، لكن الاستفادة منه تظل مشروطة ومحفوفة بمخاطر مزدوجة.
وأشار الفينة إلى أن هناك قيوداً تحد من هذه الاستفادة؛ فبينما يسلط التقرير الأميركي الضوء على دور المغرب، فإن الاتحاد الأوروبي، الذي يستوعب ثلث الصادرات المغربية بقيمة تتجاوز 26 مليار يورو، بات هو الآخر قلقاً من إمكانية استغلال بكين اتفاقيات التبادل الحر التي تربط المغرب بالأسواق المختلفة لتمرير سلع مدعومة إلى الأسواق الأوروبية وتفادي الرسوم المرتفعة.
وأوضح أن الضغط لا يأتي من واشنطن وحدها، إذ تظل السوق الأوروبية الأكبر والأكثر حساسية بالنسبة للمغرب.
في المقابل، يرى الفينة أن الانفصال الأميركي الصيني هو تحديداً ما يدفع رؤوس الأموال الصينية نحو المغرب، خصوصاً أن الشركات الصينية ضخت نحو 6 مليارات دولار في المملكة منذ جائحة كورونا، وفق تقديرات رسمية. كما تحولت المملكة إلى قطب صاعد لصناعة السيارات والبطاريات، فيما تجاوزت التجارة الصينية المغربية 9 مليارات دولار في 2024، لترتفع إلى ما دون 11 مليار دولار في 2025، ما جعل الصين ثالث أكبر شريك تجاري للمغرب.
ميناء طنجة آليانس الذي تديره شركة «مرسى المغرب».
المصدر: الموقع الإلكتروني لشركة «مرسى المغرب».
والمنطق واضح من منظور المستثمر الصيني، بحسب الفينة، إذ يتيح المغرب وصولاً تفضيلياً إلى أسواق أوروبا والولايات المتحدة، ما يدفع الشركات الصينية إلى استخدام المملكة قاعدةً للتصنيع والتصدير إلى الأسواق الخارجية، خصوصاً في قطاع السيارات، مع الاستفادة من الاتفاقيات التجارية التي تربط المغرب بهذه الأسواق.
أوضح أن المملكة، في قلب هذه المعادلة، تجمع بين المصانع والوظائف وعائدات التصدير، في موقع تتنافس عليه عدة دول، بينما تحركت مبكراً لاقتناص هذه الفرص.
المغرب رابح من التجاذبات التجارية
من جانبه، أوضح الخبير الاقتصادي المغربي رشيد الساري، في حديث لـ«إرم بزنس»، أن «المغرب لا تربطه بالصين أي اتفاقية للتبادل الحر، على النقيض من علاقته بالولايات المتحدة، ولم يعد يعتمد فقط على شركائه التقليديين، فرنسا وإسبانيا والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، بل بات يمتلك امتداداً لشراكات متعددة، لا سيما مع الصين».
أضاف الساري: «يمتلك المغرب منصة صناعية وكفاءات من رأس المال البشري، بإمكانها إعادة صياغة التوازنات على مستوى استقطاب مجموعة من الاستثمارات، لا سيما الصينية منها. وبالتالي، لا يمكن وضع ما أُثير في التقرير الأميركي في خانة الإشكالية، بقدر ما يمكن القول إن المغرب يعتمد على هذا التنويع، ويظهر التقرير أهمية موقعه التجاري».
المغرب يتحدى «الانكماش الإقليمي».. ما عوامل «الطفرة الاستثمارية»؟
تابع: «ربما هناك تفهم من جانب الولايات المتحدة، كما هو الحال مع الصين، بأن المغرب يمكن أن يساعد في خلق سلاسل توريد وأن يكون محوراً استراتيجياً على المستويات الإفريقية والآسيوية والأميركية والأوروبية، وذلك بفضل ما يمتلكه من بنية تحتية، خصوصاً الموانئ، مثل طنجة المتوسط، والناظور غرب المتوسط، والداخلة الأطلسي، مع عمل المغرب على تقوية هذا الجانب بشكل كبير ونجاحه في ذلك».
ولذلك، يعتقد الساري أن «هذه الموانئ المغربية ستكون محاور مهمة ولها مستقبل واعد في تقوية العلاقات بين المغرب والصين، وكذلك الولايات المتحدة، في ظل امتلاك المغرب سيادة قراره. وشراكات المغرب متوازنة مع الجميع، وهو يتخذ موقفاً معتدلاً في تعاملاته التجارية والاستثمارية مع كل من الصين والولايات المتحدة الأميركية، ولديه موقع تجاري متميز، وبالتالي سيظل رابحاً الآن ومستقبلاً».
هذا المحتوى مقدم من إرم بزنس

