أسرار "البردة" التي ألهمت شعراء المديح النبوي لأكثر من ألف عام

سرايا - تخيل أن تستمع إلى أغنية مدتها أطول من أي أغنية لأم كلثوم!

هذا ليس ضرباً من الخيال؛ فهناك أغنية حديثة استثنائية تبلغ مدتها ساعة ونصف، من 160 بيتاً من الشعر العربي الفصيح، لا في الغَزَل أو حب الوطن، وإنما هي "أشهر نص في مدح النبي محمد" لـ"إمام المادحين" لا تزال حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي.

"من مجالس الإنشاد في مصر إلى حلقات الذكر في جنوب أفريقيا وإندونيسيا، ومن مخطوطات المكتبات العثمانية إلى تسجيلات المنشدين المعاصرين، ظل اسم البُردة حاضراً في الثقافة الإسلامية على نحو نادراً ما تحظى به قصيدة عربية أخرى".

بهذه الجملة، اففتح الدكتور صابر حسني، عضو مركز الأزهر العالمي للفتوى بمشيخة الأزهر، حديثه إلى بي بي سي، عن قصيدة كُتبت قبل أكثر من سبعة قرون، يعود مسماها في الأصل إلى قصة حدثت قبل أكثر من ألف عام في بين يدي النبي ذاته. فما هي؟

البردة الأولى تحكي كتب السيرة عن أحد أبرز شعراء الجاهلية وهو كعب بن زهير بن أبي سُلمى، الذي كان ينحدر من عائلة لم تغب عنها شمس الشعر رجالاً ونساء. وقد وُصِف أبوه بأنه "أشعَر أهل الجاهلية". وكان لشعر كعب وزن ثقيل في الحجاز يوازي وزن آلة الإعلام في يومنا هذا.

هذا الشاعر، كرّس قصائده لهجاء النبي محمد والتحريض ضد الإسلام والمسلمين، بحسب الروايات، إلى أن أهدر النبي محمد دمه، أي أباح قتله بعد فتح مكة.

فكتب إليه أخوه (بُجَير) يحثه على الذهاب إلى النبي محمد والاعتذار منه قائلاً "إنه لا يقتل أحداً جاءه تائباً"، وإلا فعليه الهرب كما فعل من بقي من شعراء مكة ممن استخدموا شعرهم في التأليب ضد المسلمين.

عندها، يحكي المؤرخون أن كعباً قدم إلى النبي محمد، ووضع يده في يده وتحدث عن نفسه بصفة الغائب ليستشف رد فعله، فلما أعطاه الأمان، كشفَ هُويته وأنشد قصيدة من 60 بيتاً يلتمس فيها المعذرة.

نُبِّئْتُ أَنَّ رَسُول الله أَوعدني

وَالْعَفْوُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ مَأْمُولُ

مَهْلاً هَدَاكَ الَّذِي أَعْطَاك نَافِلَةَ الـ

قُرْآنِ فِيهَا مَوَاعِيظٌ وَتَفْصِيلُ

لَا تَأْخُذَنِّي بِأَقْوَالِ الْوُشَاةِ وَلَمْ

أُذْنِبْ وَلَوْ كَثُرَتْ فِيَّ الْأَقَاوِيلُ

وكان أشهر بيت في قصيدته اللامية (المختومة باللام) إلى يومنا هذا:

إنَّ الرَّسَولَ لَنُورٌ يُسْتَضَاءُ بِهِ

مُهَنَّدٌ مِنْ سُيُوفِ اللَّهِ مَسْلُولُ

ويحكي كُتّاب السيرة أن النبي محمد خلع على كعب بن زُهَير بُردته، أي ألبسه عباءته، فكانت هذه أول قصيدة مديح نبوي تُسمى "البردة" في تاريخ الإسلام.

قصة البردة الثانية عاد اسم البردة يتردد من جديد على ألسنة العامة والخاصة، كما تعود العنقاء للحياة من رمادها، وذلك بعد وفاة ابن زهير بنحو ستة قرون هجرية لم تخلُ من نظم العديد من شعراء المسلمين قصائد في المدح النبوي.

غير أن البردة الثانية ارتبط نظمها بمحنة تختلف عن محنة الشاعر الحجازي الذي كان يخشى على عنقه أن يذوق حد السيف.

فناظمها المصري الذي ولد في بلدة بوصير بمحافظة بني سويف جنوب القاهرة، عرف الجزع طريقه إلى روحه بعد أن أصيب جسده بالفالج أو الشلل السُّفلِي الذي أقعده وأفقده الحركة، بحسب الروايات التراثية الشائعة.

عندها، نظم محمد بن سعيد البوصيري قصيدة من 160 بيتاً في مدح النبي محمد، متوسلًا إلى الله بجاه النبي محمد، ثم نام فرأى النبي في منامه، فأنشد أمامه قصيدة على نهج بردة كعب بن زهير، إلا أنه جعل قافيتها بحرف الميم المكسور عوضاً عن بردة ابن زهير الدالية، ومطلعها:

أَمِنْ تَذَكُّرِ جِيرَانٍ بِذِي سَلَمِ

مَزَجْتَ دَمْعًا جَرَى مِنْ مُقْلَةٍ بِدَمِ

ومن أشهر أبياتها:

مولاي صل وسلم دائماً أبدا

على حبيبك خير الخلقِ كلهمِ

مُحَمَّدٌ سَيِّدُّ الْكَوْنَيْنِ وَالثَّقَلَيْـ

ـنِ وَالْفَرِيقَيْنِ مِنْ عُرْبٍ وَمِنْ عَجَمِ

هُوَ الْحَبِيبُ الَّذِي تُرْجَى شَفَاعَتُهُ

لِكُلِّ هَوْلٍ مِنَ الْأَهْوَالِ مُقْتَحَمِ

فمبلغُ العلمِ فيه أنه بشرٌ

وأنه خيرُ خَلْق اللهِ كلّهِمِ

ويقول البوصيري إن النبي مسح على جسده في ذلك المنام، ليستيقظ المداح وقد بَرَأ من سقمه، فسُميت قصيدته البُرأة. وورد في بعض الروايات أن النبي محمد خلع عليه بردته في المنام فسُميت قصيدته البُردة، لتكون البردة الثانية في تاريخ الإسلام، في اسم لم يطلقه عليها ناظمها.

وبحسب معتقدات المسلمين، فإن رؤية النبي محمد في المنام لا يمكن تفسيرها على أنها مجرد حلم عابر لإنسان تحن إليه، بل هي رؤيا صادقة لا تختلف عن رؤية النبي محمد في حياته.

ومن هنا، اكتسبت القصيدة التي سماها البوصيري "الكواكبُ الدُرّية في مدح خير البريّة" شهرة تختلف عن غيرها من قصائد المديح النبوي العديدة التي نظمها شاعر العصر المملوكي، لتجوب قصيدته أرجاء العالم.

ويرى الدكتور حسني أن هذه الرواية "ربما أسهمت بقدر كبير في انتقال البردة من كونها قصيدة مديح، إلى نص ذي وظيفة تعبدية ووجدانية عند كثيرٍ من المسلمين".

وأضاف أن دراسات أكاديمية معاصرة أوردت هذه الرواية على أنها جزء أساسي من الجانب الروحاني لهذه القصيدة، حيث رُبط بين رؤية البوصيري للنبي في المنام، وبين المكانة العلاجية والروحية التي نسبها كثير من المسلمين إلى تلاوة القصيدة لاحقاً.

وأوضح أن بعض الدراسات أشارت إلى أن المكانة المنسوبة إلى البردة بلغت في العصر العثماني حد نقش أبيات منها في الأماكن المرتبطة بحفظ الآثار النبوية في قصر طوب قابي، وربطت بعض التقاليد الشعبية والصوفية قراءتها بالحماية والشفاء والبركة.

وبهذا، تجاوزت شهرة القصيدة حدود العالم العربي، وحظيت بردة البوصيري بترجمات مبكرة إلى لغات عدة منها الملاوية والعثمانية والفارسية، ثم ظهرت لاحقاً ترجمات إلى لغات أوروبية وآسيوية وأفريقية متعددة.

وعلق خريج كلية الدعوة الإسلامية بالأزهر لبي بي سي قائلاً: "وهكذا لم تعد البردة مجرد أثر من آثار الشعر المملوكي، بل صارت نصاً عابراً للغات والثقافات".

لعبة شعرية بوصيرية لم يكتف الشعراء بمحاكاة قصيدة البوصيري التي انتشرت انتشاراً واسعاً، بل "دخلوا معها في لعبة شعرية معقدة"، تعرف بـ"التخميس" و"التسبيع" بحسب الدكتور صابر حسني.

ويشرح الدكتور حسني لبي بي سي التخميس بأن يأخذ الشاعر بيتاً من البردة، فيضيف إليه ثلاثة أشطر من نظمه، (والشطر نصف البيت الشعري)، ثم يُلحق بها شطري بيت البوصيري، فيصبح المقطع خمسة أشطر، مع المحافظة على الوزن والترابط الدلالي والقافية المطلوبة. والتسبيع على هذا النحو.

وأضاف أن دار الإفتاء المصرية نقلت عن الحافظ السخاوي أن جمال الدين الكرماني جمع في القرن التاسع الهجري من تخاميس البردة ما يزيد على ستين قصيدة كتُبت بطريقة التخميس.

ومن أشهر ما بقي من هذا التراث، تخميس ابن حجة الحموي. أما تسبيعات البردة، فمنها "تفريج الشدة في تسبيع البردة" المنسوب إلى القاضي ناصر الدين البيضاوي، وتسبيع لمحمد بن علي نيازي المصري.

وهناك تخميسة لافتة للأنظار نظمتها الأديبة المتصوفة عائشة الباعونية، التي تعود جذورها إلى الأردن، وهي دمشقية المولد والنشأة والوفاة. ولربما تكون هذه هي القصيدة الوحيدة لشاعرة استوحت أبياتها من بردة البوصيري، في مضمار لم يخض فيه سوى الرجال.

ونُقِل عن الباعونية أنها نظمت تخميستين، إحداهما سُرقت خلال سفرها، ففتح الله عليها خلال إقامتها في مدينة بلبيس بمصر، بتخميسة ثانية جاء فيها:

يا قِبلةَ القلبِ مني في تقلُّبِه

يا سرَّ وَصلَتِهِ فضلاً لمطلبِهِ

يا نعمَ غوثٍ لهُ في ضيقِ مذهبِهِ

"يا أكرمَ الرُسلِ ما لي من ألوذ بهِ

سواك عندَ حلولِ الحادثِ العَمِمِ"

ويقول عضو مشيخة الأزهر إن جامعة أم القرى بمكة تحتفظ بمخطوط بعنوان "تسبيع قصيدة البردة" منسوب إلى محمد بن الوفاء جمال الدين، في القرن الحادي عشر الهجري، "وهو شاهد آخر على اتساع هذه الظاهرة الشعرية"، بحسبه.

البارودي وشوقي والجعفري على نهج البردة في أوائل العصر الحديث، قرر وزير الحربية المصري محمود سامي البارودي، الذي كان رائد مدرسة الإحياء والبعث الشعرية، أن يقدم قصيدة جديدة يحاكى بها قصيدة البوصيري بنفس الوزن والقافية والمعاني، فيما يُسمى في عالم الشعر بـ"المعارضة".

ولربما يكون البارودي صاحب أطول قصيدة على نهج البردة حتى وقت قريب، بعنوان (كشف الغُمّة في مدح سيد الأمة)، حيث نظمها في 447 بيتاً سرد فيها السيرة النبوية مستوحياً الأحداث مما ذُكر في سيرة "ابن هشام" المؤرخ البصري في القرنين الثاني والثالث الهجري.

وكان مطلعها:

يا رَائِدَ البَرقِ يَمّمِ دارَةَ العَلَمِ

وَاحدُ الغَمامَ إِلى حَيٍّ بِذِي سَلَمِ

ومما جاء فيها في مدح النبي محمد قوله:

محمد خاتم الرسْلِ الذي خضعتْ

له البريّةُ من عُربٍ ومن عَجمِ

نُورٌ تَنَقَّلَ في الأَكوانِ ساطِعُهُ

تَنَقُّلَ البَدرِ مِن صُلبٍ إِلى رَحِمِ

حَتّى اِستَقَرَّ بِعَبدِ اللَهِ فَاِنبَلَجَت

أَنوارُ غُرَّتِهِ كَالبَدرِ في البُهُمِ

ومع ذلك، لم تحظ قصيدة البارودي الذي لُقب بـ"رب السيف والقلم"، بشهرة قصيدة شوقي التي جاءت بعده بسنوات قليلة، والتي كتبها في أحد مواسم الحج.

وقد اختار شوقي افتتاح القصيدة بالغزَل، كما فعل كعب بن زهير، إلا أنه جعلها ميمية كقصيدة البوصيري، فجاء مطلع القصيدة:

ريمٌ عَلى القاعِ بَينَ البانِ وَالعَلَمِ

أَحَلَّ سَفكَ دَمي في الأَشهُرِ الحُرُمِ

قبل أن ينتقل عبر 190 بيتاً إلى مدح النبي قائلاً في أشهر ما حُفظ عنه:

لَزِمتُ بابَ أَميرِ الأَنبِياءِ وَمَن

يُمسِك بِمِفتاحِ بابِ اللَهِ يَغتَنِمِ

مُحَمَّدٌ صَفوَةُ الباري وَرَحمَتُهُ

وَبُغيَةُ اللَهِ مِن خَلقٍ وَمِن نَسَمِ

يا أحمدَ الخيرِ لي جاهٌ بتسميتي

وكيف لا يتسامَى بالرسول سَمِي؟!

وقد انتقت منها أم كلثوم بعض الأبيات لتغنيها تحت عنوان "نهج البردة" بألحان الموسيقار.....

لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


هذا المحتوى مقدم من وكالة أنباء سرايا الإخباريه

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من وكالة أنباء سرايا الإخباريه

منذ 5 ساعات
منذ 11 ساعة
منذ ساعتين
منذ 6 ساعات
منذ 6 ساعات
منذ 6 ساعات
موقع الوكيل الإخباري منذ 3 ساعات
وكالة عمون الإخبارية منذ 5 ساعات
خبرني منذ 11 ساعة
صحيفة الرأي الأردنية منذ 9 ساعات
خبرني منذ 17 ساعة
خبرني منذ 9 ساعات
وكالة عمون الإخبارية منذ 3 ساعات
خبرني منذ 10 ساعات