مع اقتراب استكمال إعداد مشروع ميزانية تونس لعام 2027، تتجه الحكومة إلى موازنة الحفاظ على الاستقرار المالي مع تحفيز الاستثمار وإنتاج الثروة، في وقت تفرض فيه التحديات العالمية والجيوسياسية ضغوطاً إضافية على الاقتصاد.
وتتباين آراء خبراء تونسيين تحدثوا لـ«إرم بزنس»، بين من يرى أن مشروع الميزانية يقبع في مرحلة الشعارات والحديث عن الصمود دون ترجمة ذلك لأرقام منذ 2026 تخفف معاناة المواطنين مقابل تقديرات ترى تحركات لتحسين الوضع الاقتصادي رغم التحديات.
ويقدر حجم ميزانية تونس لسنة 2026 بنحو 79.6 مليار دينار (ما يعادل قرابة 27 مليار دولار)، مسجّلا ارتفاعاً طفيفاً بنسبة 3.9% مقارنة بميزانية عام 2025 التي بلغت 76.6 مليار دينار، وذلك وسط مساعٍ حكومية للتحكم في عجز الميزانية وتعبئة الموارد الذاتية.
بنحو 60 مليار دولار.. خسائر الأفراد بالفوركس سنوياً تعادل اقتصاد تونس
دعم صمود الاقتصاد الوطني
في 19 أغسطس، دعت رئيسة الحكومة، سارة الزعفراني الزنزري، في اجتماع لضرورة الأخذ بعين الاعتبار في إعداد ميزانية الدولة لسنة 2027، استقرار مؤشر عدم اليقين العالمي في مستويات مرتفعة، بحسب بيان للحكومة.
وانتهى الاجتماع إلى أن مؤشرات الاقتصاد الوطني التونسي، منها تسجيل نمو في الناتج المحلي بنسبة 2.3% خلال النصف الثاني من 2026، ومحافظة القطاع السياحي على تماسكه، «تعكس قدرة الاقتصاد الوطني على الصمود في مواجهة الصدمات».
وجاء الاجتماع بعد نحو أسبوعين من آخر فترة برئاسة الزنزري، في 4 أغسطس، أكدت خلاله أن «التوجه في إعداد مشروع قانون المالية لسنة 2027، يتمثل في العمل على جعل الميزانية صامدة أمام الأزمات العالمية ومخلفات النزاع القائم (بالمنطقة) خلال سنة 2026 وحالة عدم اليقين التي يشهدها العالم»، بحسب بيان للحكومة.
ودعت إلى «اعتماد مقاربة استباقية ومرنة قادرة على مواكبة هذه التغيّرات وعلى تعزيز قدرة الاقتصاد الوطني على الصمود ودفع الاستثمار وتحقيق نمو اقتصادي مستدام، فضلاً عن إحكام ترتيب أولويات تدخل الدولة في مختلف المجالات والقطاعات وتعزيز خيار التعويل على الذات».
وأكدت أنّ مشروع قانون المالية لسنة 2027 يهدف إلى «المحافظة على التوازنات المالية الكبرى مع توفير الموارد الضرورية لدعم الأولويات الاقتصادية والاجتماعية، ومواصلة تعزيز الدور الاجتماعي للدولة من خلال الإحاطة بالفئات محدودة الدخل والفئات الهشة وتحسين قدرتها الشرائية والرفع من جودة الخدمات العمومية إلى جانب تحفيز محركات خلق الثروة دعم الاستثمار العمومي والخاص وتوفير مواطن الشغل بما يحقق التنمية الشاملة العادلة والمتوازنة والعدالة الاجتماعية».
ووقتها، قالت وزيرة المالية، مشكاة سلامة الخالدي، خلال الاجتماع، إن مشروع الميزانية يعتمد على سياسات من شأنها تعزيز صلابة المالية العمومية وتدعيم التنمية العادلة المتوازنة، مؤكدة صمود الاقتصاد الوطني وتحقيق مكاسب هامة رغم تصاعد الضغوطات المالية وتنامي حالة عدم اليقين الدولي، وفق البيان ذاته.
العجز التجاري في تونس يرتفع إلى 4.9 مليار دولار خلال 7 أشهر
فجوة بين الأرقام والمؤشرات
تقول خبيرة الشأن الاقتصادي والتجارة الدولية، جنات بن عبد الله، في حديث لـ«إرم بزنس»: «نلاحظ وجود هوة بين طرح أن الاقتصاد أكد صموده، والأرقام والمؤشرات المسجلة والتي تؤكد أنه يمر بصعوبات مالية هيكلية خطيرة وأن شعار التعويل على الذات أضحى يهدد الاستقرار المالي في البلاد وتبعاً لذلك الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي».
وأكدت جنات بن عبد الله، أن «عجز الميزان التجاري في تونس سجّل مستوى قياسياً غير مسبوق حيث تفاقم 25% خلال الأشهر السبعة الأولى من هذه السنة مقابل الفترة نفسها من السنة الماضية (بنحو 5 مليارات دولار/ 14.9 مليار دينار تونسي) عجزاً عمقه ارتفاع فاتورة الطاقة بـ35% وفاتورة توريد المواد الغذائية بنسبة 32% وهذا له تداعيات خطيرة مع ارتفاع الأسعار، لكن يبدو أن الحكومة تجاوزت هذا الوضع الذي قيمته بالصامد».
وشددت على أن الميزانية يجب أن «تتجاوب مع تطلعات المواطن التونسي التي أصبحت تختزل في توفير الماء والكهرباء والخبز والأدوية والتعليم وليس في النقاشات، وهذه التطلعات لم يجب عليها مشروع ميزانية 2027 الذي جاء في صيغة طرح إنشائي بعيد عن المعايير المتبعة في إعداد ميزانية الدولة، ولعل أول هذه المعايير يتعلق بنسبة النمو المنتظرة ومستوى سعر صرف الدينار وسعر البرميل من النفط ويحتاج لمزيد من التوضيح والبعد عن الشعارات والاتجاه لبرامج وسياسات قادرة على استيعاب الصدمات الخارجية وتوظيفها في صالح الاقتصاد الوطني».
الاقتصاد التونسي ينمو 2.3% خلال الربع الثاني من 2026
تحديات داخلية وضغوط خارجية
لاحظ المحلل التونسي، أيمن العبروقي لـ«إرم بزنس»، أن «ميزانية سنة 2027 تأتي في سياق اقتصادي يتسم بتنامي التحديات الداخلية مع ضغوط خارجية، ويجب على الحكومة أن تخلق توازناً صعباً بين التحكم في العجز المالي والعمل على دعم الاستقرار الاجتماعي».
وبالمقابل، يرى العبروقي أن «المؤشرات الرسمية الأخيرة تشير إلى أن الاقتصاد التونسي يواصل التعافي لكن بوتيرة حذرة، دون نسيان الضغوط على المالية العمومية مع ارتفاع كلفة الدعم، الذي يلقي بظلاله على الاقتصاد التونسي».
ويلاحظ بحسب المحلل التونسي، أيمن العبروقي، أن «هناك ما يمكن اعتباره توجهاً جديداً للحكومة التونسية في إعداد الميزانية حيث تسعى الحكومة للقيام بتقشف مدروس من خلال الحد من نفقات التسيير عبر وضع برنامج يلزم الهياكل العمومية بالحد من استهلاك الطاقة، كما ستسعى الحكومة إلى مراجعة منظومة الدعم حتى تنتفع به الفئات الاجتماعية الهشة دون أن يكون هناك هدر للمال العام، وهذا يعتبر نقطة تحول جديدة في الرؤية الحكومة لمنظومة الدعم».
ويرى العبروقي أن «مشروع ميزانية السنة المقبلة قدم توجهات واضحة لإصلاح منظومتي الصحة العمومية والضمان الاجتماعي عبر تحسين الخدمات الصحية العمومية وتوسيع نطاق الحماية الاجتماعية»، مؤكداً أن «الحكومة قدمت توجهاً يسعى إلى خلق نمو اقتصادي حقيقي عبر تثمين الموارد الوطنية والعمل على دعم وتطوير القطاعات الاقتصادية ذات القيمة المضافة العالية مع السعي للحد من العجز الطاقي وتطوير الفلاحة»، مؤكداً أن التحديات التي تواجه الميزانية حقيقية خاصة المتعلقة بمراجعة منظومة الدعم وسط شكوى من كلفة المعيشة.
ويعتقد أن إصلاح الاقتصاد التونسي لا يكون بتوجه في ميزانية السنة المقبلة، ولكن بترميم النسيج الاقتصادي الذي كان يرتكز على المؤسسات الصغرى والمتوسطة، التي اختفى عدد كبير منها بسبب التبعات الاقتصادية لجائحة كورونا بخلاف تحسين مناخ الاستثمار ورقمنة الإدارة والحد من البيروقراطيّة.
هذا المحتوى مقدم من إرم بزنس
