ثمة قرارات لا تقاس بنتائجها المباشرة فقط، وإنما بما تكشفه عن تحولات أعمق في البيئة السياسية والاستراتيجية المحيطة بها. ومن هذا المنظور يمكن قراءة القرار الإماراتي بوقف جميع الأنشطة والتبادلات التجارية والمعاملات المالية مع إيران حتى إشعار آخر، باعتباره رسالة تتجاوز الاقتصاد إلى السياسة والأمن. فالإمارات، التي كانت أحد أهم منافذ التجارة وإعادة التصدير لإيران، تنتقل من إبقاء القنوات مفتوحة إلى استخدام الأدوات الاقتصادية رداً على التصعيد الإقليمي.
وتنبع أهمية القرار من طبيعة العلاقة الاقتصادية التي سبقته. فعلى الرغم من الخلافات السياسية والأمنية، ظلت الإمارات، بعد الصين، من أهم الشركاء التجاريين لإيران، وتراوحت تقديرات حجم التجارة بين البلدين حول 25 إلى 30 مليار دولار سنوياً. كما كانت دبي مركزاً رئيسياً لإعادة تصدير السلع إلى السوق الإيرانية، وللخدمات اللوجستية والمالية المرتبطة بها. ولذلك، فإن أثر القرار لا يرتبط فقط بقيمة التجارة التي ستتوقف، وإنما بإغلاق إحدى القنوات المهمة التي استخدمتها إيران لتأمين الواردات والوصول إلى الأسواق الخارجية وتخفيف آثار العقوبات.
ومن ثم، يأتي القرار الإماراتي ليجعل شراء الوقت أكثر كلفة بالنسبة إلى طهران. فهي لا تواجه فقط خسارة جزء من تجارتها مع الإمارات، وإنما ارتفاع كلفة تجارتها الخارجية، واضطرارها إلى البحث عن طرق وقنوات بديلة للحصول على السلع والخدمات والتمويل.
لكن السؤال الأهم هو: لماذا تبدو طهران مستعدة لتحمل المزيد من الضغوط بدلاً من الذهاب إلى تسوية تفاوضية مع الولايات المتحدة؟ بل لماذا تصّر إيران على عدم الالتفات إلى الجوانب الاقتصادية الأمنية والسياسية والاجتماعية في ثمن الحرب والتركيز فقط على الأثر الإعلامي الدعائي لتلك الحرب، فهل ادعاء الصمود أمام الولايات المتحدة يستحق التضحية بمصائر البلاد والعباد؟
قد يكون أحد التفسيرات أن إيران تحاول شراء الوقت. غير أن المفارقة أن الوقت الذي تشتريه طهران لا يبدو مجانياً، إنها تشتريه من احتياطاتها، ومن عملتها، ومن قدرتها على تمويل اقتصادها، ومن مستوى معيشة مواطنيها، بل من مستقبل استقرار الدولة الإيرانية ذاته.
فالبنك الدولي يقدر أن الاقتصاد الإيراني انكمش بنسبة 2.7% في السنة المالية 2025/2026، مع استمرار الضغوط نتيجة تضرر البنية التحتية واضطراب التجارة وتراجع الاستثمار وارتفاع التضخم وانخفاض الدخول الحقيقية. وتشير تقديرات أحدث إلى أن التضخم قد يقترب من 70%، فيما يتجه الاقتصاد إلى انكماش يتجاوز 5% في ظل الحرب والحصار. كما سجلت العملة.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من صحيفة الخليج الإماراتية
