تدخل صناعة الحفلات الموسيقية العالمية مرحلة جديدة من النمو، لكن هذه المرة بقواعد مختلفة عن تلك التي حكمت السوق خلال سنوات التعافي بعد جائحة كورونا، إذ لم يعد الرهان على بيع أكبر عدد من التذاكر بقدر ما أصبح على تعظيم القيمة الاقتصادية التي تحققها كل فعالية، وتحويل الحفل من حدث فني إلى منصة تنشط قطاعات السياحة والطيران والضيافة والتجزئة والترفيه في آن واحد.
هذا التحول لا يقتصر على الغرب، ففي الشرق الأوسط بدأت السعودية خلال السنوات الأخيرة في بناء نموذج اقتصادي يقوم على الفكرة نفسها، حيث لم تعد الحفلات الموسيقية تُنظم باعتبارها فعاليات ترفيهية منفصلة، لكنها أصبحت جزءاً من منظومة أوسع تستهدف تنشيط السياحة وزيادة الإنفاق المحلي واستقطاب الزوار الدوليين، وهو ما يظهر بوضوح في موسم الرياض الذي تحول خلال سنوات قليلة إلى أحد أكبر الأحداث الترفيهية في الشرق الأوسط.
تعكس المؤشرات الاقتصادية هذا التحول، إذ يتوقع أن يرتفع حجم سوق الموسيقى الحية عالمياً من نحو 40.5 مليار دولار في 2026 إلى 52.6 مليار دولار في 2030، وصولاً إلى 67.1 مليار دولار بحلول 2035. لكن الأسواق الكبرى لم تعد تراهن على زيادة أعداد الجماهير وحدها، وإنما على نماذج أعمال تستهدف رفع متوسط الإنفاق لكل زائر، سواء داخل موقع الحفل أو خارجه، بحسب تقرير Live Music 2026 الصادر عن Luminate Intelligence.
وفي الولايات المتحدة، أكبر أسواق الموسيقى الحية في العالم، تشير التوقعات إلى ارتفاع إيرادات القطاع من 10.19 مليار دولار في 2022 إلى 12.49 مليار دولار في 2026، وصولاً إلى 14.54 مليار دولار في 2028، بما يعكس استمرار نمو القطاع رغم دخول الطلب مرحلة أكثر استقراراً.
اقتصاد الانتقاء لكن هذه الأرقام تخفي تحولاً أعمق داخل السوق، فبعد موجة غير مسبوقة من الإقبال على الحفلات عقب الجائحة، بدأ الطلب يفقد زخمه الاستثنائي، لتدخل الصناعة ما يمكن وصفه بمرحلة "اقتصاد الانتقاء"، حيث أصبح الجمهور أكثر انتقائية في اختيار التجارب التي تستحق الإنفاق.
تؤكد بيانات أكبر 100 جولة موسيقية في العالم هذه الصورة، إذ بلغت الإيرادات الإجمالية 9.1 مليار دولار في 2025، وهو المستوى نفسه تقريباً المسجل في 2024، بينما استقر عدد الحضور عند نحو 69.5 مليون متفرج مقابل 69.7 مليون في العام السابق. والأهم أن متوسط سعر التذكرة تراجع من 130.36 دولاراً في 2024 إلى 127.17 دولاراً في 2025، في أول انخفاض بعد سنوات من الزيادات المتتالية.
ورغم محدودية الانخفاض، فإنه يشير إلى اقتراب السوق من مستوى يصعب بعده تمرير زيادات إضافية في الأسعار، ما دفع المنظمين إلى التركيز بصورة أكبر على التجارب المميزة وباقات الضيافة والخدمات المصاحبة، بدلاً من الاعتماد على رفع سعر التذكرة التقليدية وحدها.
دفع ذلك شركات تنظيم الحفلات إلى زيادة تركيزها على ما يعرف في الصناعة باسم Superfans، وهم الجمهور الأكثر ارتباطاً بالفنانين، والأكثر استعداداً للسفر ودفع أسعار أعلى للحصول على تجربة مميزة، من خلال المقاعد الفاخرة أو اللقاءات الخاصة أو الباقات التي تجمع الحفل بالإقامة والتنقل.
السياحة الموسيقية في الوقت نفسه، تشير بيانات تقرير Live Music 2026، إلى تغير العلاقة بين الجمهور وأسعار التذاكر، فقد تراجعت نسبة الأميركيين الذين يعتبرون سعر التذكرة عائقاً أمام حضور الحفلات من 59% في الربع الأول من 2024 إلى 53% في الربع الأول من 2026، بينما كان التحول أكبر بين Gen Z، حيث انخفضت النسبة من 75% إلى 57%.
لا يعني ذلك اختفاء الحساسية للأسعار، بقدر ما يعكس ارتفاع القيمة التي يمنحها الجمهور للتجارب الموسيقية الكبرى. فقد ارتفعت نسبة من يرون أن الحفلات تقدم قيمة جيدة أو ممتازة من 73% إلى 78% خلال عامين، في وقت بدأت فيه مؤشرات الربع الأول من 2026 تظهر عودة الحساسية للأسعار لدى الفئات العمرية الأكبر، بما يشير إلى محدودية قدرة السوق على مواصلة رفع أسعار التذاكر.
من هنا برز اتجاه "السياحة.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من الشرق بلومبرغ
