الاستقرار النسبي في الحجم الكلي لا يعني استقرار ما يجري داخل القطاع. قراءة إحصائية اقتصادية في الإنتاجية والموارد والأمن الغذائي والأسواق ومنظومة المعلومات قد يبدو تقييم الإنتاج النباتي مسألة مباشرة: كم زُرع؟ وكم أُنتج؟ وهل ارتفع الناتج أم انخفض؟ غير أن الأطنان، على أهميتها، لا تقدم إلا الطبقة الأولى من الصورة؛ فهي لا تكشف وحدها ما إذا كان تغير الإنتاج ناتجاً عن تغير المساحة أم إنتاجية الوحدة، ولا مقدار الموارد التي تقف خلفه، ولا القيمة الاقتصادية التي ولدها، ولا موقعه من احتياجات الغذاء والسوق. وتزداد أهمية هذه القراءة في الأردن، حيث يعمل الإنتاج النباتي ضمن قيود مائية ومناخية وسوقية متداخلة، وتختلف وظيفة المحاصيل من سلعة إلى أخرى. فقد يكون التحدي في محصول محدودية مساهمة الإنتاج المحلي في الإمداد، بينما يتمثل في آخر في إدارة تركز المعروض أو الوصول إلى أسواق قادرة على استيعابه، وفي ثالث في رفع كفاءة استخدام الأرض والمياه والمدخلات. لذلك يقرأ هذا المقال الإنتاج النباتي خلال الفترة 2025-2022 بوصفه منظومة تحول الموارد إلى إنتاج وغذاء وقيمة اقتصادية، لا مجرد مجموع للأطنان. وينتقل التحليل من الحجم وتركيبه إلى المساحة والإنتاجية وكفاءة الموارد، ثم إلى القيمة والأمن الغذائي والأسواق وسلسلة القيمة، قبل أن يصل إلى البعد الأكثر استراتيجية: كيف يمكن الانتقال من قياس الموسم بعد وقوعه إلى بناء منظومة معلومات تساعد على إدارته وهو يتشكل؟ أولاً: ما وراء الرقم الكلي... إنتاج يتحرك في م سارات غير متجانسة لم يسلك الحجم الكمي للإنتاج النباتي مساراً تصاعدياً أو تنازلياً مستمراً خلال الفترة. فقد بلغ الرقم القياسي الكمي لجميع المحاصيل 137.9 نقطة في 2022، وارتفع إلى 155.2 نقطة في 2023، ثم تراجع إلى 151.2 نقطة في 2024 وإلى 140.5 نقطة في 2025. وبذلك انتهت الفترة عند مستوى يزيد بنحو 1.9% فقط على بدايتها، رغم الارتفاع الواضح الذي تحقق في منتصفها. لكن التقارب بين مستويي 2022 و2025 يخفي تغيرات أكبر داخل التركيب المحصولي. فبين طرفي الفترة ارتفع مؤشر الخضروات بنحو 10.0%، في حين انخفض مؤشر المحاصيل الحقلية بنحو 10.2% ومؤشر الفواكه بنحو 8.3%. كما انخفض المؤشر العام في 2025 بنحو 7.1% مقارنة بعام 2024، بينما تحركت بعض مكوناته في اتجاه معاكس. الرسالة التحليلية: الاستقرار النسبي للمؤشر الكلي بين طرفي الفترة يخفي مسارات محصولية متباينة في الاتجاه والشدة. ملاحظة: لا تعني المقارنة بين 2022 و2025 أن حركة المحاصيل خلال السنوات الوسيطة كانت خطية. ويظهر أثر اختيار سنة المقارنة بوضوح في القمح والزيتون. فقد وصل الرقم القياسي للقمح إلى 164.0 نقطة في 2024 قبل أن ينخفض إلى 87.9 نقطة في 2025، بينما وصل مؤشر الزيتون إلى 176.6 نقطة ثم تراجع إلى 80.8 نقطة خلال الفترة نفسها. ومن ثم فإن وصف أي منهما بمسار تنازلي مستمر سيكون أقل دقة من وصفه بمحصول شهد تقلباً حاداً بين السنوات. والنتيجة الأولى أن الإنتاج النباتي ليس كتلة متجانسة يمكن الحكم عليها من متوسط واحد. فاستقرار الإجمالي نسبياً قد يخفي توسعاً واضحاً في بعض المكونات، وتراجعاً أو تقلباً واسعاً في أخرى. غير أن معرفة اتجاه الإنتاج لا تكفي لتفسير أدائه؛ فالانتقال من قياس النتيجة إلى فهمها يبدأ بتحديد ما إذا كان التغير قد جاء من المساحة، أو إنتاجية الوحدة، أو القاعدة الإنتاجية نفسها. ثانياً: وراء تغير الإنتاج... بين المساحة والإنتاجية وكفاءة الموارد يمكن أن يرتفع الإنتاج نتيجة اتساع المساحة، أو تحسن إنتاجية وحدة الأرض، أو تفاعلهما معاً. وفي المحاصيل الدائمة يضاف متغير آخر هو تطور القاعدة الإنتاجية نفسها، ولا سيما انتقال الأشجار إلى مرحلة الإثمار. وتقدم حالات القمح والبندورة والتمور ثلاث صور مختلفة لكيفية تشكل التغير في الناتج. القمح... تقلص المساحة كان العامل الأبرز انخفضت المساحة المحصودة بالقمح من نحو 121.1 ألف دونم في 2023 إلى 86.2 ألف دونم في 2025، أي بنحو 28.8%، بينما انخفض الإنتاج من نحو 26.7 إلى 18.5 ألف طن. وفي المقابل، كان تغير إنتاجية الدونم محدوداً نسبياً، من نحو 220.5 إلى 214.1 كغم/دونم. وتشير هذه الحركة إلى أن تراجع الإنتاج خلال الفترة ارتبط بصورة أوضح بتقلص المساحة المحصودة مقارنة بالتغير المحدود في إنتاجية الدونم. ولا يعني ذلك أن المساحة وحدها تفسر أداء القمح، لكنه يوضح لماذا لا يمكن قراءة انخفاض الأطنان بمعزل عن قاعدة الإنتاج التي تولدها. البندورة... التوسع في المساحة لم يتحول إلى زيادة في الناتج في البندورة ارتفعت المساحة من 77.3 ألف دونم تقريباً في 2023 إلى 80.3 ألف دونم في 2025، أي بنحو 3.9%، في حين انخفض الإنتاج من نحو 591.7 إلى 564.1 ألف طن، وتراجعت إنتاجية الدونم من نحو 7.65 إلى 7.02 طن/دونم. وبذلك لم يتحول التوسع في المساحة إلى زيادة في الناتج؛ إذ تزامن مع انخفاض إنتاجية وحدة الأرض. ولا تسمح هذه المؤشرات وحدها بإسناد التراجع إلى سبب فني أو مائي أو مناخي محدد، لكنها تثبت أن زيادة المساحة لا تضمن زيادة الإنتاج عندما تتحرك الإنتاجية في الاتجاه المعاكس. التمور... اتساع القاعدة المثمرة هو مفتاح النمو أما التمور فتمثل نمطاً مختلفاً للمحاصيل الدائمة. فقد ارتفع عدد الأشجار المثمرة من نحو 358 ألف شجرة في 2022 إلى 435 ألف شجرة في 2025، وزاد الإنتاج من نحو 29.5 إلى 34.5 ألف طن، في حين انخفض متوسط إنتاجية الشجرة المثمرة من نحو 82.5 إلى 79.2 كغم. وتشير هذه الحركة إلى أن نمو الإنتاج ارتبط أساساً باتساع القاعدة المثمرة ودخول استثمارات سابقة مرحلة الإنتاج، وليس بتحسن متوسط إنتاجية الشجرة. وهذا تمييز مهم في المحاصيل الدائمة، حيث يسبق الاستثمار في الأصل الزراعي تحقق كامل أثره الإنتاجي بعدة سنوات. المساحة وحدها لا تكفي... كفاءة الموارد هي الاختبار الأصعب لا تعمل المساحة والإنتاجية بمعزل عن المياه والمدخلات والظروف البيئية. وفي الأردن تحديداً تمثل المياه قيداً هيكلياً يجعل التوسع في المساحة أقل دلالة إذا لم يُقرأ إلى جانب كفاءة استخدام المورد المائي. وتوفر البيانات الرسمية مؤشرات عن الموازنة المائية والتغذية المطرية واستخدامات المياه، لكن اختلاف التغطية الزمنية والمكانية، وتفاوت اعتماد المحاصيل على الري والأمطار، لا يسمح بإسناد تغير إنتاج محصول بعينه مباشرة إلى المياه أو المناخ استناداً إلى مؤشرات كلية فقط. ولذلك تستخدم هذه البيانات لتحديد سياق الموارد والقيود، لا لإثبات علاقة سببية منفردة. وفي بلد محدود الموارد المائية، يصبح ارتفاع الإنتاج أكثر دلالة عندما يقترن بقدرة أعلى على تحويل المورد المائي المحدود إلى غذاء وقيمة. إلا أن حساب هذا النوع من الكفاءة يحتاج بيانات محصولية ومائية متجانسة، ولا يصح اشتقاقه بقسمة مؤشرات كلية لا تغطي الوحدات الإنتاجية نفسها. مؤشر رسمي لكفاءة مياه الري يوفر نظام إدارة معلومات الأمن الغذائي مؤشراً رسمياً بعنوان «إنتاجية المتر المكعب من المياه للمحاصيل الزراعية المروية»، يُحسب بقسمة مجموع إنتاج الخضار والفواكه المروية بالكيلوغرام على كمية المياه المستخدمة في الري. ووفق هذا المؤشر، ارتفعت إنتاجية المتر المكعب من 4.05 كغم/م³ في 2022 إلى 4.89 كغم/م³ في 2025، أي بنحو 20.7% وفق حسابات الباحث. وخلال الفترة نفسها، ارتفع مجموع إنتاج المحاصيل البستانية الرئيسية المستخدم في الحساب من نحو 2.316 مليون طن إلى 2.810 مليون طن، أي بنحو 21.3%، بينما ارتفع مجموع المياه المستخدمة في الزراعة من 571.71 إلى 574.43 مليون م³، أي بنحو 0.5%. كما بلغت المياه العذبة المستخدمة في الزراعة 388.39 مليون م³ في 2025، بما يعادل نحو 68% من مجموع المياه المستخدمة في الزراعة في ذلك العام. وتشير هذه النتائج إلى تحسن الكفاءة المائية على مستوى المؤشر الكلي، لكنها لا تحدد كفاءة محصول بعينه، ولا تثبت أن المياه وحدها سببت تغير الإنتاج؛ فالتفسير المحصولي يحتاج إلى بيانات متجانسة عن كمية المياه والإنتاج والمساحة ونمط الري والظروف الفنية والمناخية على مستوى المحصول والمكان والفترة نفسها. وينطبق المنطق ذاته على الأسمدة والمبيدات والمدخلات الأخرى. فالغاية ليست خفض الاستخدام بصورة مطلقة، ولا تعظيمه سعياً وراء إنتاج أكبر، وإنما رفع كفاءة الاستخدام: الكمية والنوع والتوقيت والطريقة التي تحقق نتيجة إنتاجية واقتصادية أفضل مع تقليل الاستخدام غير الضروري للمورد. ثالثاً: من حجم الإنتاج إلى قيمته الاقتصادية... ماذا يولد النشاط؟ الأطنان تقيس جانباً من حجم النشاط، لكنها لا تقيس وحدها ما يولده من قيمة اقتصادية. وفي المقابل، لا تعني زيادة القيمة النقدية زيادة مماثلة في الحجم الحقيقي، لأن القيم الجارية تتأثر بالكميات والأسعار وتركيب الإنتاج معاً. وتوفر الحسابات القومية لعام 2022 مرساة رسمية لقراءة البعد الاقتصادي للإنتاج النباتي؛ إذ بلغ الإنتاج القائم نحو 1,486.3 مليون دينار، مقابل 280.1 مليون دينار للاستهلاك الوسيط، لتبلغ القيمة المضافة الإجمالية نحو 1,206.2 مليون دينار. ولا تمثل القيمة المضافة أرباح المزارعين، كما لا يمثل الاستهلاك الوسيط إجمالي تكاليف الحيازة. فالربحية مفهوم مختلف يحتاج بيانات عن العوائد والتكاليف على مستوى المزرعة أو المحصول. كما أن امتداد هذه المؤشرات إلى 2023 2025 باستخدام حسابات مشتقة من الرقم القياسي والأسعار لا يجعلها حسابات قومية رسمية؛ وتؤكد قاعدة العمل المستخدمة أن قيم الأعوام اللاحقة كانت حسابات الباحث لا بيانات قومية منشورة. ولذلك يقتصر المقال على المرساة الرسمية المتجانسة بدلاً من بناء سلسلة تبدو أكثر اكتمالاً مما تسمح به قوة الدليل. والنتيجة أن قياس الحجم لا يغني عن قياس القيمة، كما أن القيمة الجارية لا تحل محل قياس الحجم الحقيقي؛ فكل منهما يجيب عن سؤال مختلف، وتكتمل القراءة الاقتصادية عندما يُفصل بينهما ثم يُقرأان معاً. رابعاً: من الإنتاج إلى الأمن الغذائي... تختلف السلع وتختلف الوظائف لا تتساوى دلالة الإنتاج المحلي بين السلع. فارتفاع إنتاج القمح يحمل معنى مختلفاً عن ارتفاع إنتاج البندورة، كما أن نسبة اكتفاء مرتفعة لا تعني تلقائياً أن زيادة إنتاج السلعة هي الخيار الأكثر كفاءة في كل الظروف. ولهذا تُستخدم نسبة الاكتفاء الذاتي هنا باعتبارها مؤشراً إلى العلاقة بين الإنتاج المحلي والاستخدام المحلي وفق منهجية الميزانية الغذائية، لا مقياساً منفرداً للأمن الغذائي. ملاحظة: لا يعني تجاوز نسبة الاكتفاء الذاتي 100% أن الفرق يمثل تلقائياً فائضاً قابلاً للتصدير. وتُقرأ البطاطا ضمن نطاق السلعة في الميزانية الغذائية، مع مراعاة اختلاف بطاطا الاستهلاك عن التقاوي وبعض الاستخدامات التصنيعية. تكشف المقارنة عن أربع وظائف مختلفة للإنتاج المحلي. فالقمح يطرح أساساً سؤال إدارة الاعتماد على الإمداد الخارجي ومخاطره، ولا تقود نسبته المنخفضة بذاتها إلى نتيجة مفادها أن الاكتفاء الكامل هو الخيار الأمثل مهما كانت كلفته من المياه والأرض. أما البطاطا فتعكس مساهمة إنتاج محلي مرتفعة قياساً بالاستخدام السنوي، لكن ذلك لا ينفي احتمال وجود اختلافات موسمية أو استخدامات متعددة لا يعبر عنها المتوسط السنوي وحده. وفي البندورة يظهر تحدٍ مختلف؛ إذ تجاوز الإنتاج المحلي الاستخدام المحلي وفق تعريف المؤشر في 2024. وهنا ينتقل السؤال من كيفية توفير الكمية إلى كيفية إدارة توقيت المعروض والأسواق والتصنيع والتصدير. أما زيت الزيتون فيوضح ضرورة الانتقال من قراءة المنتج الزراعي الأولي إلى قراءة سلسلة القيمة، فالزيتون ثمرة زراعية، بينما زيت الزيتون منتج غذائي مصنع يرتبط بالتجارة والاستخدام الغذائي بصورة مختلفة. وتؤكد قاعدة العمل ضرورة الفصل بين ثمار الزيتون وزيت الزيتون في هذا النوع من التحليل. ومن ثم فإن الأمن الغذائي لا يعني تعظيم نسبة الاكتفاء لكل سلعة بصورة آلية. ففي بيئة محدودة الموارد، تتكون القدرة على الصمود من مزيج يختلف حسب السلعة بين الإنتاج المحلي، والتجارة، والمخزون، والتصنيع، وتنويع مصادر الإمداد والأسواق، وإدارة المخاطر. كما أن المؤشر السنوي لا يكشف بالضرورة استقرار الإمداد داخل السنة؛ فقد يتزامن ارتفاع المعروض في أسابيع محددة مع نقصه في فترات أخرى. وهنا يلتقي الأمن الغذائي مباشرة بالسوق وتوقيت الإنتاج. خامساً: من باب المزرعة إلى السوق... كيف تتحرك القيمة؟ لا تنتهي رحلة المحصول عند باب المزرعة. فبين الحصاد والسوق توجد عمليات فرز وتعبئة وتحميل ونقل ومناولة وتسويق، تحمل تكاليف وخدمات ومخاطر تختلف باختلاف المحصول ومسار التسويق. وتتيح البيانات الرسمية مقارنة سعر باب المزرعة بالتكاليف التسويقية وسعر السوق المركزي لبعض المحاصيل، بما يسمح بقراءة جزء من انتقال السلعة والقيمة عبر السلسلة. ملاحظة: نسبة سعر باب المزرعة إلى سعر السوق المركزي من حسابات الباحث، ولا تمثل حصة المنتج من السعر النهائي الذي يدفعه المستهلك. فرق السعر ليس ربحاً بين 2022 و2025 انخفضت نسبة سعر باب المزرعة إلى السوق المركزي في البندورة من 56.1% إلى 52.3%، وفي البطاطا من 85.4% إلى 78.0%، بينما ارتفعت في الخيار من 79.1% إلى 83.1%. وتؤكد هذه الاتجاهات المختلفة أن المقارنة بين مراحل التسويق لا تنتج حكماً واحداً يصلح لجميع المحاصيل. كما أن الفرق بين.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من جو ٢٤
