تدخل شركة «أبل» مرحلة مفصلية مع انتقال منصب الرئيس التنفيذي من تيم كوك إلى جون ترنوس، في خطوة تأتي في توقيت بالغ الحساسية بالنسبة إلى عملاق التكنولوجيا الأميركي.
وبعد 15 عاماً قضاها كوك على رأس الشركة، أصبح ترنوس أمام مهمة معقدة تتمثل في الحفاظ على قوة «أبل» في سوق الأجهزة، وفي الوقت نفسه تسريع حضورها في سباق الذكاء الاصطناعي، الذي بات أحد أهم محركات المنافسة والاستثمار في قطاع التكنولوجيا عالمياً.
ولا تقتصر التحديات التي تنتظر الرئيس التنفيذي الجديد على التكنولوجيا، إذ يتعين عليه أيضاً التعامل مع ملف التصنيع في الصين، تنويع سلاسل الإمداد، والضغوط السياسية الأميركية المتزايدة بشأن تصنيع أجهزة «آيفون» داخل الولايات المتحدة.
من الهندسة إلى قمة هرم «أبل»
يبلغ جون ترنوس 51 عاماً، وانضم إلى فريق التصميم في «أبل» عام 2001، قبل أن يتدرج في المناصب ليصبح نائب الرئيس الأول لهندسة الأجهزة.
وكان ترنوس مسؤولاً عن فرق الهندسة التي تقف وراء مجموعة واسعة من منتجات «أبل»، وفي مقدمتها أجهزة «آيفون» التي تمثل الجزء الأكبر من إيرادات الشركة.
تيم كوك يغادر قيادة أبل.. والمستثمرون أغنى بـ4 تريليونات دولار في عهده
وقبل انضمامه إلى «أبل»، حصل ترنوس على درجة البكالوريوس في الهندسة الميكانيكية من جامعة بنسلفانيا، وعمل مهندساً في شركة «فيرتشوال ريسرتش سيستمز».
ويُنظر إلى خبرته الهندسية باعتبارها أحد أهم أسباب اختياره لخلافة كوك، خصوصاً أن المرحلة المقبلة قد تجعل تكامل الذكاء الاصطناعي مع الأجهزة عاملاً حاسماً في نمو «أبل».
الذكاء الاصطناعي: المعركة الجديدة
تأتي مهمة ترنوس في وقت تواجه فيه «أبل» تحدياً واضحاً في سباق الذكاء الاصطناعي، بعدما تمكن منافسون في قطاع التكنولوجيا من تحقيق تقدم سريع في تطوير النماذج والخدمات المدعومة بالذكاء الاصطناعي.
وكانت بعض التوقعات تشير إلى أن كريغ فيديريغي، المسؤول عن البرمجيات، قد يكون مرشحاً أكثر ملاءمة لقيادة الشركة في هذه المرحلة.
إلا أن اختيار ترنوس يعكس، بحسب محللين، رؤية مختلفة تقوم على أن مستقبل الذكاء الاصطناعي الاستهلاكي لن يعتمد على البرمجيات وحدها، بل على دمج هذه التقنيات داخل الأجهزة التي يستخدمها المستهلكون يومياً.
ومن هذه الزاوية، يمكن أن تتحول خبرة ترنوس في تصميم الأجهزة إلى ميزة استراتيجية، خصوصاً إذا تمكنت «أبل» من تحويل الذكاء الاصطناعي إلى عامل يدفع المستهلكين إلى ترقية أجهزتهم وشراء منتجات جديدة.
الصين وسلاسل الإمداد أمام اختبار جديد
يُعد ملف سلاسل الإمداد أحد أكثر الملفات حساسية أمام الإدارة الجديدة.
فخلال عهد تيم كوك، بنت «أبل» منظومة تصنيع ضخمة تعتمد بدرجة كبيرة على الصين، التي أصبحت في الوقت نفسه سوقاً رئيسياً للشركة وقاعدة مهمة لإنتاج أجهزتها.
تيم كوك يؤكد: آيفون لن يختفي في المستقبل القريب
لكن التوترات التجارية والجيوسياسية دفعت «أبل» خلال السنوات الأخيرة إلى تنويع عمليات التصنيع. وانتقلت أجزاء من تجميع «آيفون» إلى الهند، بينما توسعت عمليات إنتاج أخرى في فيتنام.
ورغم ذلك، لا تزال الصين تحتفظ بأهمية كبيرة في منظومة «أبل» الصناعية والاستهلاكية، ما يجعل إعادة تشكيل سلسلة الإمداد عملية مكلفة ومعقدة.
ترامب يرفع سقف الضغوط على «أبل»
إلى جانب الصين، سيواجه ترنوس ضغوطاً من الإدارة الأميركية بشأن موقع تصنيع أجهزة «آيفون».
فالرئيس الأميركي دونالد ترامب طالب «أبل» مراراً بزيادة تصنيع أجهزتها داخل الولايات المتحدة، وهدد بفرض رسوم جمركية على المنتجات المصنعة خارج البلاد.
وكان تيم كوك قد نجح خلال فترة رئاسته في إدارة علاقة دقيقة مع الإدارة الأميركية والصين في آن واحد، من خلال تقديم التزامات استثمارية داخل الولايات المتحدة والحفاظ على العلاقات التجارية مع بكين.
وبالتالي، سيحتاج ترنوس إلى تطوير خبرة سياسية وجيوسياسية تتجاوز خبرته الطويلة في الهندسة وتصميم الأجهزة.
آيفون القابل للطي.. أول اختبار للرئيس الجديد
لن يملك ترنوس وقتاً طويلاً للاستقرار في منصبه قبل مواجهة أول اختبار علني كبير.
ففي 9 سبتمبر، تستعد «أبل» لإقامة فعالية «آيفون» السنوية، وسط توقعات بالكشف عن أول هاتف «آيفون» قابل للطي، في واحدة من أبرز عمليات إعادة تصميم الهاتف منذ سنوات.
وسيظهر ترنوس في واجهة الشركة بعد أيام قليلة من توليه منصب الرئيس التنفيذي، ما يجعل الحدث اختباراً مبكراً لقدرته على تقديم رؤية جديدة للأسواق والمستثمرين والمستهلكين.
«أبل» تكشف عن «ماك ميني» و«ستوديو» بمعالجات أقوى
ورغم انتقال منصب الرئيس التنفيذي، لن يبتعد تيم كوك عن «أبل».
ففي اليوم نفسه، سيتولى منصب الرئيس التنفيذي لمجلس إدارة الشركة، مع استمرار دوره في التواصل مع صانعي السياسات حول العالم.
وقد يوفر هذا الترتيب لشركة «أبل» انتقالاً أكثر سلاسة. إذ يستطيع ترنوس التركيز على المنتجات والاستراتيجية والابتكار، بينما تستفيد الشركة من خبرة كوك الطويلة في التعامل مع الحكومات والملفات التجارية والجيوسياسية.
مرحلة جديدة أمام عملاق التكنولوجيا
يمثل تعيين جون ترنوس أكثر من مجرد تغيير في قيادة «أبل». فهو يعكس تحولاً في أولويات الشركة في مرحلة أصبح فيها الذكاء الاصطناعي محركاً رئيسياً للمنافسة في قطاع التكنولوجيا.
وسيكون التحدي أمام الرئيس التنفيذي الجديد هو تحويل قوة «أبل» في الأجهزة إلى منصة فعالة للذكاء الاصطناعي، مع المحافظة على هوامش الربحية وقوة العلامة التجارية وسلاسل الإمداد العالمية.
وفي الوقت نفسه، ستحتاج الشركة إلى الموازنة بين علاقتها بالصين وضغوط واشنطن، وهي معادلة اقتصادية وجيوسياسية معقدة قد تكون أهم اختبار لترنوس خلال السنوات المقبلة.
وبين سباق الذكاء الاصطناعي، وإعادة تشكيل التصنيع، والضغوط السياسية، والرهان على منتجات جديدة مثل «آيفون» القابل للطي، تبدأ «أبل» فصلاً جديداً قد يحدد موقعها في الاقتصاد التكنولوجي العالمي خلال العقد المقبل.
هذا المحتوى مقدم من إرم بزنس
