دخلت منصات رقمية بارزة مرحلة جديدة من المواجهة مع التشريعات الأوروبية، بعدما منحت المفوضية الأوروبية خدمات «تشات جي بي تي» و«روبلوكس» و«ريديت» مهلة أربعة أشهر للامتثال لمتطلبات أكثر صرامة بموجب قانون الخدمات الرقمية، عقب تجاوز عدد مستخدميها الشهريين في الاتحاد الأوروبي عتبة 45 مليون مستخدم.
ولا تبدو الخطوة مجرد إجراء تنظيمي يتعلق بالسلامة الرقمية، إذ تحمل في طياتها تداعيات اقتصادية واسعة على الشركات المعنية، بدءا من ارتفاع تكاليف الامتثال والرقابة، وصولًا إلى احتمال التأثير في آليات الإعلانات والتوصيات ونماذج تحقيق الإيرادات. ويعكس القرار في الوقت نفسه تنامي الدور الذي تلعبه بروكسل في إعادة رسم قواعد الاقتصاد الرقمي العالمي.
بروكسل تفرض قيوداً أكثر صرامة على «تشات جي بي تي»
45 مليون مستخدم يغيّرون قواعد اللعبة
يعتمد الاتحاد الأوروبي في تعامله مع أكبر المنصات الرقمية على حجم انتشارها وتأثيرها في المستخدمين، إذ إن تجاوز عتبة 45 مليون مستخدم شهرياً يؤدي إلى إخضاع المنصة لمتطلبات أكثر صرامة باعتبارها من المنصات الإلكترونية الكبيرة جداً.
وتكمن الأهمية الاقتصادية لهذا التصنيف في أن الشركات لم تعد قادرة على التعامل مع قواعد السلامة والشفافية باعتبارها تكلفة تشغيلية ثانوية، بل أصبحت جزءاً أساسياً من نموذج أعمالها. فكلما توسعت قاعدة المستخدمين، زادت مسؤوليات الشركة، وبالتالي ارتفعت الحاجة إلى فرق متخصصة في الإشراف على المحتوى وإدارة المخاطر والامتثال القانوني والتقني.
فاتورة الامتثال قد ترتفع
تفرض القواعد الأوروبية الجديدة على المنصات توفير شروط وأحكام واضحة وسهلة الاستخدام، وإنشاء نقاط اتصال مخصصة للمستخدمين والسلطات المختصة، إضافة إلى تعزيز الإجراءات المتعلقة بالمحتوى غير القانوني.
اقتصادياً، يعني ذلك استثمارات إضافية في البنية التحتية الرقمية والموارد البشرية وأنظمة المراقبة والتدقيق.
وقد تكون هذه التكاليف أكثر وضوحاً بالنسبة إلى الشركات التي تعتمد على ملايين المستخدمين يومياً، لأن تطبيق إجراءات رقابية واسعة على هذا الحجم من النشاط يحتاج إلى تقنيات وموظفين وعمليات تشغيل مستمرة.
لكن التكلفة لا تقتصر على الإنفاق المباشر. ففرض ضوابط إضافية على طريقة عمل المنصات قد يؤثر أيضاً في سرعة إطلاق بعض المنتجات والميزات، ويجبر الشركات على تخصيص موارد أكبر للتأكد من توافق الابتكارات الجديدة مع القواعد الأوروبية.
تطبيقات إنستغرام، وتيك توك، وسناب شات، ويوتيوب، وفيسبوك، وتويتش، وريديت، معروضة على الهاتف المحمول، 9 ديسمبر 2025
الإعلانات والخوارزميات تحت المجهر
من أكثر الجوانب الاقتصادية حساسية التزامات الشفافية المتعلقة بالإعلانات وآليات توصية المحتوى. فالخوارزميات تمثل عنصراً مهماً في اقتصاد المنصات، لأنها تساعد في تحديد المحتوى الذي يراه المستخدمون، وبالتالي تؤثر في معدلات التفاعل ومدة الاستخدام وجاذبية المنصة للمعلنين.
أي تغيير في هذه الآليات قد ينعكس على الأداء التجاري. فزيادة الشفافية والقيود على بعض طرق الاستهداف أو التوصية يمكن أن تحد من قدرة المنصات على تعظيم القيمة الإعلانية، في حين قد تضطر الشركات إلى تطوير نماذج أكثر وضوحاً للمستخدمين والجهات الرقابية.
وفي المقابل، قد تتحول الشفافية إلى عامل تنافسي على المدى الطويل، خصوصاً إذا ساهمت في رفع ثقة المستخدمين وتقليل المخاطر القانونية والسمعة السلبية.
«أوبن إيه آي» تطلق نسخة جديدة من «تشات جي بي تي» للمراهقين
أوروبا تعيد رسم اقتصاد التكنولوجيا
يمثل القرار مؤشراً إضافياً على توجه الاتحاد الأوروبي إلى استخدام التنظيم كأداة للتأثير في قطاع التكنولوجيا العالمي. فبدل ترك الشركات الكبرى تحدد قواعد العمل الرقمي بصورة منفردة، تسعى بروكسل إلى فرض معايير موحدة تتعلق بالسلامة والشفافية والمساءلة.
وبالنسبة إلى «تشات جي بي تي» و«روبلوكس» و«ريديت»، فإن المهلة البالغة أربعة أشهر تمنحها وقتاً محدوداً لتقييم عملياتها وتحديد الثغرات وإجراء التعديلات المطلوبة.
وعلى المدى الأبعد، قد تتحول القواعد الأوروبية إلى معيار عالمي إذا فضّلت الشركات اعتماد مستوى موحد من الامتثال بدل تطوير أنظمة مختلفة لكل سوق. وفي هذه الحالة، لن يقتصر تأثير القرار على المستخدم الأوروبي، بل قد يمتد إلى طريقة تصميم وتشغيل المنصات الرقمية في أسواق أخرى.
اختبار جديد للشركات الكبرى
تضع بروكسل المنصات الثلاث أمام اختبار يتجاوز الامتثال القانوني المباشر. فالمطلوب هو تحقيق توازن صعب بين الحفاظ على الابتكار والنمو التجاري من جهة، والاستجابة لمتطلبات السلامة والشفافية والمساءلة من جهة أخرى.
ومن منظور اقتصادي، ستكون قدرة هذه الشركات على استيعاب تكاليف التنظيم دون إبطاء النمو أو إضعاف قدرتها التنافسية عاملاً أساسياً في المرحلة المقبلة. ومع اتساع الرقابة الأوروبية، يبدو أن عصر النمو الرقمي السريع دون تكلفة تنظيمية متناسبة يقترب من نهايته، وأن قواعد اللعبة في اقتصاد المنصات أصبحت تُكتب بصورة متزايدة في مكاتب الجهات التنظيمية، وليس فقط داخل شركات التكنولوجيا.
هذا المحتوى مقدم من إرم بزنس

