لا يبدأ توطين القطاع الصحي بزيادة أعداد خريجي كليات الطب فحسب، بل بقدرة المنظومة على تحويلهم إلى أطباء متخصصين، وتوجيههم إلى التخصصات والمناطق التي يحتاجها النظام. وتبرز فجوة في حوكمة الانتقال من الامتياز إلى الإقامة والزمالة.
والحوكمة لا تعني مجرد إصدار خطاب رعاية، بل تحديد المسؤولية عن التخطيط والتمويل والقبول والتوزيع. وتُوزع المسؤوليات المقترحة بقيادة وزارة الصحة التي تحدد الاحتياج، وتضع الهيئة السعودية للتخصصات الصحية معايير الاعتماد والجودة وتدير المطابقة، وتوفر التجمعات الصحية التدريب والخدمات، بينما يتولى صندوق وطني مقترح تمويل المقاعد وفق نتائج قابلة للقياس. ومن دون هذا التوزيع الواضح للأدوار، ستظل المشكلة تنتقل بين الجهات بدلاً من أن تُحل.
المشكلة لا تكمن في خطاب الرعاية وحده، بل في غياب إطار مستدام يضمن تمويل الطبيب من الامتياز إلى الإقامة ثم الزمالة. وقد تُستكمل ترتيبات الرعاية في بعض السنوات عبر مراكز التدريب أو الجهات الصحية، غير أن الحلول السنوية لا تبني مساراً مهنياً مستداماً. وقد يجد خريج مؤهل نفسه خارج المسار التدريبي لا بسبب نقص الكفاءة، وإنما بسبب عدم اكتمال التمويل أو الرعاية.
الحل يبدأ بفصل القبول عن مصدر التمويل. ينبغي أن يقوم القبول على الجدارة والمطابقة والاحتياج، ثم تأتي ترتيبات التمويل والتوظيف في مسار مؤسسي مستقل. وتشمل الحوكمة شفافية المطابقة وإتاحة التظلم، بحيث يعرف المتقدم معايير المفاضلة وعدد المقاعد، مع مسار واضح لمراجعة الأخطاء.
ومن هنا تبرز فكرة إنشاء «صندوق وطني للإقامة والزمالة» بميزانية متعددة السنوات. ولا يقتصر دوره على الرواتب، بل يمتد إلى التعاقد على مقاعد تدريبية معتمدة، وتغطية الإشراف والتعليم، ودعم البنية التدريبية، وتحفيز التخصصات ذات الأولوية. ويُربط جزء من التمويل بمؤشرات مثل إكمال التدريب، والنجاح في البورد، وجودة التدريب، واستمرار الخريجين في المناطق المحتاجة.
ولا يعني التمويل الحكومي احتكار التدريب داخل المنشآت الحكومية، بل يمكن أن ينظم شراكة تنافسية مع القطاع الخاص والجامعات. فتُمنح الجهات المؤهلة فرصة تقديم مقاعد ممولة، بشرط استيفاء معايير الاعتماد وتوفير المدربين والحالات السريرية والالتزام بمؤشرات الجودة. وبهذا يصبح القطاع الخاص شريكاً مسؤولاً في بناء القوى العاملة الصحية.
تقدم التجارب الدولية دروساً مهمة دون أن تعني نسخ نموذج بعينه. ففي أستراليا يسهم برنامج STP في.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من صحيفة الاقتصادية
