من عبء بيئي إلى مورد اقتصادي.. تونس تبحث عن الطاقة في النفايات

تتحرك تونس نحو نقل ملف النفايات من إدارة المكبات إلى استرداد القيمة الاقتصادية منها، عبر مشاريع لإنتاج الغاز الحيوي والكهرباء والسماد، في مسار قد يخفف جزءاً من كلفة منظومة تستنزف موارد البلديات والدولة، لكنه يتطلب استثمارات وتقنيات لفرز المخلفات ومعالجتها قبل أن تصبح النفايات مصدر دخل فعلياً.

ويأخذ هذا التحول نطاقاً أوسع مع توجه «الوكالة الوطنية للتصرف في النفايات» (ANGed)، بالتعاون مع «برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية» (UN-Habitat)، إلى تطوير مشاريع جديدة للتثمين الطاقي وبناء الخبرات الفنية اللازمة لها، بما يدفع إدارة المخلفات تدريجياً من نموذج يقوم أساساً على الجمع والطمر إلى نموذج يستهدف استرداد الطاقة والمواد ذات القيمة الاقتصادية.

ولم يعد التوجه مقتصراً على المشاريع التجريبية؛ إذ تشمل الخطط الجديدة مراكز لمعالجة وتثمين النفايات المنزلية في صفاقس وجربة وسليانة والمهدية وقفصة، إلى جانب وحدات لتحويل المخلفات العضوية إلى سماد وأخرى لمعالجتها وإنتاج الغاز الحيوي، إضافة إلى 5 مشاريع لاستغلال الغاز المستخرج من المكبات.

ويضع هذا التوسع سؤال الجدوى الاقتصادية في الواجهة: هل تستطيع تونس بناء سلسلة قيمة تجعل ما تنفقه اليوم على التخلص من النفايات جزءاً من اقتصاد ينتج الطاقة والمواد القابلة للاسترداد؟

تونس ومشروع ميزانية 2027.. هل يتجاوز الاقتصاد عثرات مرحلة الصمود؟

إمكانات تونس في تثمين النفايات وتوليد الطاقة

تكمن القيمة الاقتصادية المحتملة في حجم المادة الخام نفسها. وتشير أحدث تقديرات أوردها «البنك الدولي» إلى أن تونس ولّدت نحو 3 ملايين طن من النفايات الصلبة البلدية في 2022، مع توقع تضاعف الكمية إلى 6 ملايين طن بحلول 2050. في المقابل، بلغت النفقات السنوية للقطاع نحو 141 مليون دولار في 2022، وقد ترتفع إلى 498 مليون دولار بحلول منتصف القرن لتلبية متطلبات الإدارة المستدامة للنفايات.

الأهم بالنسبة لمشاريع الطاقة أن النفايات التونسية تحتوي على نسبة مرتفعة من المواد القابلة للتحلل. وتضع بيانات حكومية سابقة حصة المواد العضوية عند نحو 68% من النفايات البلدية، وهي تركيبة تزيد فرص الاستفادة من المخلفات العضوية في إنتاج الغاز الحيوي، مقارنة بالأسواق التي تغلب فيها المخلفات الجافة.

لكن تحويل هذه الكميات إلى أصل اقتصادي لا يعني ببساطة حرق النفايات لإنتاج الكهرباء. فالمسار الذي يظهر في المشروعات التونسية الحالية يقوم بدرجة كبيرة على فصل الجزء العضوي وتحويله بالهضم اللاهوائي إلى غاز حيوي، أو التقاط الغاز المتولد بالفعل في المكبات، مع استرداد مواد أخرى لإعادة التدوير أو إنتاج السماد.

وتنسجم هذه المشاريع مع مسار تونس لرفع تثمين النفايات على المدى الطويل، إذ تستهدف سيناريوهات التنمية منخفضة الكربون رفع التثمين العضوي والطاقي للنفايات إلى 45% بحلول 2035 مقارنة بمستوى 2020، والوصول إلى 70% بحلول 2050، مقابل خفض نسبة النفايات النهائية الموجهة إلى المكبات إلى 55% ثم 30% في التاريخين نفسيهما.

توربينات رياح في منطقة العالية قرب بنزرت، أقصى نقطة شمالية في تونس، 20 أكتوبر 2022.

مشروع جربة لتوليد الكهرباء والغاز الحيوي من النفايات

تقدم جزيرة جربة نموذجاً عملياً لما يمكن أن تنتجه هذه المنظومة. ففي يناير 2026 انطلقت أعمال وحدة تجريبية لمعالجة نحو 6 آلاف طن من المخلفات العضوية سنوياً، خاصة الناتجة عن القطاع الفندقي، وتحويلها إلى غاز حيوي.

ومن المخطط أن تنتج الوحدة نحو 1600 ميغاواط/ساعة من الكهرباء سنوياً، إلى جانب 3900 طن من نواتج الهضم العضوية القابلة للاستخدام الزراعي، مع تفادي نحو 5600 طن من مكافئ ثاني أكسيد الكربون كل عام.

وتكشف هذه الأرقام أن القيمة لا تأتي من الكهرباء وحدها. فالمشروع يحول طناً من المخلفات العضوية إلى أكثر من منتج اقتصادي: طاقة، ومادة يمكن استخدامها لتحسين التربة، إضافة إلى خفض كمية النفايات التي تحتاج إلى النقل والطمر.

كما أصبح للمشاريع مصدر إيرادات أكثر وضوحاً بعد أن حددت تونس في أغسطس 2025 سعر شراء الكهرباء المنتجة من الغاز الحيوي والمربوطة بالشبكة المتوسطة الجهد عند 307 مليمات لكل كيلوواط/ساعة، طوال مدة العقد، على أن تشتريها الشركة التونسية للكهرباء والغاز.

وبناءً على إنتاج جربة المعلن البالغ 1.6 مليون كيلوواط/ساعة سنوياً، تصل قيمة الكهرباء نظرياً إلى نحو 491 ألف دينار سنوياً إذا انطبقت التعرفة كاملة على المشروع. وهذا حساب مشتق من بيانات الإنتاج والتعرفة وليس رقماً منشوراً لعائداته. ولا يشمل ذلك القيمة المحتملة للسماد أو أي إيرادات أو وفورات أخرى، كما لا يمثل صافي ربح المشروع قبل احتساب تكاليف التشغيل والاستثمار.

الحر يُنهك شبكة الكهرباء في تونس وسط أزمة طاقة خانقة

العائد الاقتصادي لتثمين المخلفات وتخفيف عبء البلديات

الرهان الأكبر بالنسبة لتونس لا يتعلق بحجم الكهرباء التي يمكن أن تضيفها النفايات إلى الشبكة بقدر ما يتعلق بإعادة بناء اقتصاد إدارة المخلفات.

قدرت «الإستراتيجية الوطنية لإدارة النفايات» متوسط تكلفة الإدارة التشغيلية بنحو 110 دنانير للطن، استناداً إلى البيانات المتاحة، مع الإقرار بأن غياب محاسبة تحليلية دقيقة يجعل تقدير التكلفة الفعلية صعباً. كما قدرت تكلفة النقل والطمر وحدهما بنحو 20 ديناراً للطن.

وتزداد أهمية ذلك بالنسبة للبلديات؛ إذ أظهرت بيانات الاستراتيجية أن تشغيل خدمة النفايات كان يعادل نحو ثلث الجزء الأول من ميزانياتها ونحو 54% من مواردها الذاتية، بينما لم تكن الضرائب المحلية تغطي سوى 17.5% تقريباً من تكاليف تشغيل الخدمة.

لذلك، فإن القيمة الحقيقية لمشاريع التثمين لا تقاس فقط بسعر الكهرباء المنتجة، وإنما بمجموع ما يمكن تجنبه من تكاليف النقل والطمر، وما يمكن بيعه أو استغلاله من طاقة ومواد مستردة وسماد.

ولا تعني هذه المعادلة أن كل مكب يصلح لمحطة طاقة، فالجدوى تتغير بحسب كمية النفايات وتركيبتها، وكفاءة الفرز، والمسافة إلى مرافق المعالجة، وحجم الغاز الممكن جمعه، والاستثمار المطلوب. وتظهر تجربة «مكب وادي لاية» في سوسة هذا المسار التدريجي؛ إذ شغّل مشروع تابع لـ«برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية» وحدة توليد صغيرة بقدرة 50 كيلوواط تعتمد على غاز المكب، في أول تجربة لربط وحدة من هذا النوع بالشبكة التونسية.


هذا المحتوى مقدم من إرم بزنس

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من إرم بزنس

منذ ساعتين
منذ ساعة
منذ 3 ساعات
منذ 5 ساعات
منذ 6 ساعات
منذ 38 دقيقة
صحيفة الاقتصادية منذ 17 ساعة
موقع نمـازون الإقتصادي منذ ساعة
قناة CNBC عربية منذ 21 ساعة
الشرق بلومبرغ منذ 7 ساعات
إرم بزنس منذ ساعتين
قناة CNBC عربية منذ 49 دقيقة
قناة CNBC عربية منذ ساعتين
صحيفة الاقتصادية منذ 15 ساعة