مما لا شك فيه أننا في صندوق النقد الدولي نولي اهتماما بالغا بكفاءة نظم المدفوعات، سواء داخل البلدان أو عبر الحدود.ونرحب كذلك بدور الابتكارات المالية التي توالت منذ ثمانينيات القرن الماضي في موجات متعاقبة أسهمت في إحداث تحسينات جوهرية في نظم المدفوعات المحلية من حيث السرعة واليسر والتكلفة، وكان لها أثر لافت في تعزيز المساواة، من خلال ما قدمته من منافع جمة للفقراء من الشعوب والبلدان.
ورغم ما أُحرز أيضا من تقدم في مجال المدفوعات الدولية، فإنه لا يزال يشهد تفاوتا؛ إذ تظل المعاملات في كثير من الحالات باهظة التكلفة وبالغة البطء.
لنواجه الأمر: من الصعب تسريع وتيرة التقدم في عالمنا المتشرذم؛ حيث يلزم أن تركز البنوك المركزية، في سياق التضخم المزمن، على استقرار الأسعار.
ومع ذلك، يظل تعزيز كفاءة المدفوعات الدولية هدفا جديرا بالسعي لسببين رئيسيين على الأقل:
الأول: أن القيود على الصيرفة المراسلة وارتفاع تكلفة المعاملات تؤدي إلى تقليص المشاركة الاقتصادية للبلدان والشركات والأسر المتضررة وإمكانية تحويل مسار المدفوعات إلى قنوات غير رسمية.
الثاني: في عالم قد تصبح فيه تجارة الخدمات الرقمية عبر الحدود بوابة المستقبل ولعل الذكاء الاصطناعي خير مثال على ذلك فمن شأن زيادة كفاءة المدفوعات الدولية أن تسهم في تعزيز آفاق النمو.
والخبر السار أن هناك مشروعات واعدة عديدة يجري تنفيذها حاليا لربط نظم المدفوعات الوطنية. ومن أمثلتها نظام التسوية الفورية للمدفوعات (TIPS)، وهو نظام رائد يديره البنك المركزي الأوروبي؛ ومشروع "نيكسوس" التابع لرابطة أمم جنوب شرق آسيا، بهيكله القائم على نظام المركز والأطراف؛ ونظام معاملات المقاصة على أساس فوري (TCIB) التابع للجماعة الإنمائية للجنوب الإفريقي، الذي يستهدف المعاملات الصغيرة؛ ومشروع "أجورا" (Project Agora) التابع لبنك التسويات الدولية، الذي يركز على الصيرفة المراسلة.
واليوم، نواجه سؤالا مهما: عما إذا كانت الابتكارات المالية في القطاع الخاص وعلى رأسها تكنولوجيا دفاتر الحسابات الرقمية الموزعة بمقدورها إحداث تحول نظامي في المدفوعات الدولية حول العالم.
لا نعرف الإجابة بعد على وجه اليقين فلا تزال تكنولوجيا البلوك تشين أشبه بتجربة صغيرة داخل المنظومة العالمية الواسعة للمدفوعات. ولكن بإمكان تقنيات الترميز الرقمي والعملات المستقرة بالطبع سواء لمزاياها الذاتية أو دورها في تشجيع المنافسة أن تساعد على تعزيز "انسيابية" التمويل العالمي، في ظل ما تبشر به العملات الرقمية المستقرة على وجه الخصوص من سرعة تنفيذ المدفوعات الدولية مرتفعة القيمة وخفض تكلفتها.
ولا يزال من المبكر الجزم بما ستؤول إليه هذه التطورات، ولكن هناك حقيقة واضحة لا لبس فيها: ففي نظام مالي عالمي أكثر ديناميكية، تتسارع وتيرة انتقال المخاطر وتزداد كلفة أخطاء السياسات. ومن ثم، تصبح سلامة السياسات التنظيمية والاقتصادية الكلية أكثر أهمية.
وهذا ما أود التركيز عليه اليوم متطلبات السياسات اللازمة للنجاح. وسأطرح في هذا السياق 3 حجج رئيسية:
أولا: تتطلب تقنيات الترميز الرقمي والعملات المستقرة استجابة منسقة دوليا على مستوى السياسات التنظيمية وهي مهمة شاقة في ظل التشرذم الجيوسياسي.
ثانيا: قد تُفاقم العملات الرقمية المستقرة التحديات التي تواجه عديدا من اقتصادات الأسواق الصاعدة والبلدان النامية، ما يستدعي تعزيز الاحتياطيات الأجنبية الوقائية.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من صحيفة الاقتصادية
