سعدي يوسف والمنزع الحياتي في نظم المطولات

في مراحل تلت حركة الشعر العربي الحر، أخذت القصيدة العربية المطولة منحىً جديداً يختلف عن مرحلة البواكير والريادة. ويتمثل هذا المنحى في الاتجاه بكتابتها اتجاهاً حياتياً، يجعل الشعر عبارة عن سيرة ذاتية، ينزع الشاعر في تجسيدها نزوعاً سردياً خصوصياً. وغرضه في العموم رثاء الذات المنفية والغريبة عن واقعها أو المغتربة في واقعها. وتعد مطولات الشاعر العراقي سعدي يوسف خير ممثل للاتجاه الحياتي، فداوم عليه في نظم قصيدة التفعيلة من جانب، وعمق المنزع السردي في داخلها من جانب آخر.

بهذا النهج الشعري تفرد سعدي يوسف، لا على مستوى نظم القصيدة المطولة، بل على مستوى نظم القصائد القصيرة والمتوسطة الطول أيضاً. ولخصوصية هذا النهج، صار سعدي يوسف مدرسة من مدارس الشعر العربي المعاصر.

يمكن تعريف المنزع الحياتي بأنه محاولة في بناء النص الشعري بناء غير تقليدي رغبة في ممارسة الحرية. وعن ذلك يقول سعدي نفسه: "أنا مدون حياة، ولست شاعراً انتسب إلى رطانة السائد". وقصدية سعدي في الاتجاه بالمطولات هذه الوجهة، إنما تستمد من نظرته إلى الشعر الذي هو في رأيه "حبل سري بين الولادة والموت" أو هو "نار في رأس الجبل"؛ وليس هذا التوصيف سوى استلهام للأصول التي عليها تربى شعراء ما قبل الإسلام، ومنهم "المرقش الأصغر" الذي منه استقى سعدي يوسف ما سماه "أشياء" وعنها قال: "إنها أشياء نعرفها، لكن الشاعر وضعها أمامنا بحيث نراها للمرة الأولى.. الحواس إذن هي هدف يوجه الشاعر. هي المستهدفة لأنها المستقبلة، ولأن عناصر التصور والتخيل تمر عبرها أولاً، للتواصل مع مسيرتها نحو التركيبية الفنية اللاحقة، أعني النصف الثاني من التركيبية المتعلقة بالقارئ. هذا القارئ الذي سيلتقط العناصر ويعيد تركيبها حسب هواه ومستواه". وليست "الأشياء" سوى تقاليد السير على نهج له أصوله الموغلة في القدم. فأعادت إليها القصيدة المعاصرة الحياة من خلال أقلمة التقاليد الفنية.

وما من قول شعري إلا وله احتكامه إلى التاريخ الأدبي. وهذا ما يختصره سعدي يوسف بالقول: "أترك الأشياء تتفاعل خارج السياق المألوف، أتركها تتفاعل في كيمياء الشعر". ولا يعني هذا انغلاقاً على التقاليد وحدها، بل هناك الأصول التي فيها يكون الشعر فضاء مفتوحاً للتحليق في تاريخ الشعر الإنساني كله: "لسنا الوحيدين بين الأمم في معاناة الزمن المغلق. أمم عديدة سوانا مرت وتمر بأزمنة مغلقة. ولقد خرجت منها وتخرج لأنها احتفظت بالجمرة كابية أو لاهبة. وما هذه الجمرة إلا الجوهر، إلا الثقافة المخالفة القادرة وحدها على أن تغذي كل جيل بمبرر تسميته جديداً".

وكان سعدي يوسف قد جرب نظم المطولة وهو في مقتبل العمر بقصيدته "القرصان" من ضمن ديوان "أغنيات ليست للآخرين" في عام 1955. وتتألف القصيدة من 223 سطراً، وتتنوع فيها التفعيلات والقوافي، وبنزعة رومانسية غنائية، تشوبها الملحمية في تجسيد قصة الذات مع واقعها الطارد لها. ويستمر هذا النهج حتى نهاية القصيدة. ومن الملاحظ على سعدي يوسف أنه ينظم المطولات جنباً إلى جنب نظم المسرحيات الشعرية. وفي ذلك دليل على إتقانه الفارق الأجناسي ما بين الشعرين الغنائي والمسرحي.

وعلى الرغم مما أنتجه هذا الشاعر من مطولات، فإن لكل واحدة منها خصوصيتها الفنية المرهونة بظرفية كتابتها. والغالب على هذه الظرفية أن موضوعها واحد هو المدينة. ولقد زار سعدي يوسف مدناً كثيرة، منها القيروان ومراكش وباريس ونيويورك ولندن وروما وتمبكتو. وكتب فيها مطولات ظرفية، أي بحسب الظرف الحياتي الذي واجهه في كل واحدة منها. ورثى فيها ذاته، وكشف عن صور مختلفة لغربته التي فيها المدينة كهف، يقطنه.....

لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


هذا المحتوى مقدم من صحيفة الوطن السعودية

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من صحيفة الوطن السعودية

منذ 9 ساعات
منذ 9 ساعات
منذ 8 ساعات
منذ 10 ساعات
منذ 8 ساعات
منذ 9 ساعات
صحيفة سبق منذ 21 ساعة
صحيفة عكاظ منذ 16 ساعة
صحيفة الوطن السعودية منذ 10 ساعات
صحيفة الشرق الأوسط منذ 12 ساعة
صحيفة عاجل منذ 10 ساعات
صحيفة عاجل منذ 17 ساعة
صحيفة الوطن السعودية منذ 9 ساعات
صحيفة الشرق الأوسط منذ 15 ساعة