يُحكى أن جارية بارعة الجمال، عذبة الصوت، كانت تُدعى «زادمهر»، رآها يوما فتى من بغداد فأصابه سهم الحب من أول نظرة ووقع فى غرامها، وأخذ فى استعطافها بالمراسلات والمكاتبات، وهى لا تعرف إلا الدنيا والدينار.
وجعل الفتى يصف لها فى رقاعه ــ جمع الرقعة التى كانت تُستخدم للكتابة عليها ــ عشقه وسهره فى الليالى، وتقلبه على حر المقالى ــ والمقالى جمع المقلى، وهو المكان الذى يُقلى فيه الطعام من الفول والحمص ونحوهما ــ وامتناعه عن الطعام والشراب.
فلما أعياه حبها، وحار فى أمرها، ويئس من تعطفها عليه كتب إليها رسالة قال فيها: «وإذ قد منعتنى زيارتك، فمُرى بالله خيالك أن يطرقنى ويبرد حرارة قلبى»، يعنى : «طالما أنك لا تريدين زيارتى، فعلى الأقل اجعلى خيالك يمر بى ليبرد نار الشوق فى قلبى».
فقالت زادمهر لرسولته التى حملت رسالته: «ويحك، قولى لهذا الرقيع أنا أعمل ما هو خير لك من أن يطرقك خيالى، أرسل إلىّ دينارين فى قرطاس حتى أجيئك أنا بنفسى».
يا ويح الفتى.. فالمرأة التى أحبها وهام بها عشقا ليست سوى عاهرة تعطى جسدها لمن يدفع.
والشاهد فى هذه الرواية التى ذكرها أبوالمطهر الأزدى فى كتاب «حكاية أبى القاسم البغدادى»، أن هناك من النساء من يتصور البعض أنهن من العفيفات الشريفات، فينسج من خياله وهما يقوده للوله بهن والوقوع فى غرامهن، غير أن حقيقتهن تكون عكس ذلك تماما، وللحق فإن هذا السلوك المعوج ليس من عادة النساء وحسب، فهناك من الرجال من يلعب الدور ذاته، فتجده فى المنتديات العامة متأنقا يبدو كفارس نبيل، يتحدث بلباقة وأدب وهو فى واقع الأمر مجرد «جيجولو» وضيع يبحث عن امرأة «يعيش على قفاها» مهما كانت جميلة أم دميمة، صغيرة السن أم عجوز تكبره بأعوام، فالمهم أنها تدفع له وتنفق عليه.
والواقع أن أشباه «زادمهر» الجارية من النساء والرجال كُثر يحملون ذات الصفات، ويخال للمرء أنهم شرفاء غير أن حقيقة سلوكهم وجوهر معادنهم يؤكد خستهم ودناءة أخلاقهم، وقد يكون لهذا النوع من النساء والرجال حضور طاغ وتأثير واسع، وهم ــ رجالا ونساء ــ لديهم فى أغلب الحالات قدرة فائقة على التلون وإخفاء حقيقة أخلاقهم.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من جريدة الشروق
