تشير مؤشرات سوق التخزين وخبراء القطاع إلى أن النقص العالمي في الديزل، الناجم عن الحربين في أوكرانيا والشرق الأوسط، لن ينحسر قبل العام المقبل، مما يطيل أمد ارتفاع تكاليف الوقود التي تُثقل كاهل الاقتصاد العالمي.
وقد أدت الحربان إلى اضطراب حاد في إمدادات الديزل، وتعطل ملايين البراميل يومياً من الشرق الأوسط وروسيا، مما استنزف المخزونات إلى مستويات متدنية تاريخياً ورفع الأسعار إلى أرقام قياسية. ويشكل هذا النقص عبئاً على النشاط الاقتصادي، نظراً لدور الديزل الحيوي في قطاعات الزراعة والتصنيع والنقل الثقيل.
ففي الولايات المتحدة، تجاوزت أسعار الديزل بالتجزئة 6 دولارات للجالون هذا الشهر لأول مرة، مما فرض ضغوطاً على المزارعين وسائقي الشاحنات، وأثار قلق الحزب الجمهوري قبل انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر.
أسعار الديزل في فرنسا عند مستوى تاريخي.. اللتر يسجل 2.76 دولار
شح الإمدادات
وتُعد سوق التخزين مؤشراً إضافياً على استمرار شح الإمدادات، إذ يمتنع المصافي والتجار في أمريكا الشمالية عن تجديد عقود تخزين الديزل لندرة الوقود المتاح، وفقاً لبيانات وسيط التخزين «ذا تانك تايغر».
وأوضح ستيفن برساميان، الرئيس التنفيذي للعمليات في «ذا تانك تايغر»، لـ«رويترز» أن سعة تخزين الديزل المتاحة للتأجير في أمريكا الشمالية ومنطقة الكاريبي ارتفعت إلى أعلى مستوى لها في أربع سنوات، لتصل إلى 13 مليون برميل في أكتوبر مقارنة بـ 11 مليون برميل في يونيو.
ووفقاً لإدارة معلومات الطاقة الأميركية، فقد تراجع إجمالي مخزونات الديزل في الولايات المتحدة إلى 107.9 مليون برميل بحلول 11 سبتمبر، وهو أدنى مستوى لهذا الوقت من العام منذ بدء تسجيل البيانات في عام 1982.
السحب السريع
ويشير السحب السريع للديزل من المخزونات الأمريكية إلى مدى شح السوق في الأشهر الأخيرة، كما يؤكد تزايد توافر صهاريج التخزين للإيجار توقعات استمرار هذا الشح لفترة طويلة، وفقاً لما ذكره برساميان.
أوضح برساميان أن اقتران تراجع المخزونات مع زيادة سعات التخزين المتاحة يشير إلى توقعات السوق ببقاء الإمدادات شحيحة حتى الربع الأول من العام المقبل على الأقل؛ علماً بأن عقود تأجير الصهاريج تُبرم عادةً لمدة تتراوح بين ستة أشهر وعام.
وقال في هذا الصدد: «أصبحت سعات تخزين إضافية متاحة للإيجار لأن أحداً لا يرغب في تجديد عقوده؛ فما الجدوى من دفع تكاليف التخزين في ظل غياب الديزل؟».
في المقابل، تعمل شركة «إيكوبوكس دامبسترز» الأميركية لإدارة النفايات على الحد من ارتفاع تكاليف الوقود عبر استخدام شاحنات أصغر حجماً، وتجميع عمليات التسليم والاستلام في المناطق ذاتها، وتحسين جداول العمل لتجنب الرحلات غير الضرورية.
وعلق مالك الشركة، ديفيد غاريغوس، قائلاً: «أصبحت كل حركة إضافية للشاحنات مكلفة للغاية في الوقت الراهن».
مزارع يضخ وقود الديزل في خزان الوقود لنقله إلى مزرعته في هاربر، كانساس، الولايات المتحدة الأميركية، في 11 مايو 2018
المخزونات العالمية
وعلى الصعيد العالمي، تتوقع إدارة معلومات الطاقة بقاء المخزونات مستنزفة، إذ ذكرت في وقت سابق من هذا الشهر: «نتوقع انخفاض مخزونات زيت الوقود المقطر في الولايات المتحدة إلى ما دون 100 مليون برميل في سبتمبر، وأن تظل دون متوسط الخمس سنوات حتى نهاية عام 2026 ومعظم عام 2027».
وتعاني أوروبا أيضاً من انخفاض مخزونات الديزل، ففي مركز «أمستردام-روتردام-أنتويرب» للتخزين والتكرير والتجارة، كانت المخزونات في يوليو الماضي أقل بنسبة 16% عن متوسط السنوات الخمس، وفقاً لبيانات «إنسايتس غلوبال».
أما في سنغافورة، فقد بلغ متوسط إجمالي مخزونات المقطرات نحو 8.2 مليون برميل خلال الأسابيع الماضية، وهو مستوى يقارب ما كان عليه قبل الحرب في إيران، لكنه يقل عن متوسط عام 2025 البالغ 9.6 مليون برميل.
وفي هذا السياق، صرّح أندريا بيسكاتوري، نائب رئيس قسم آسيا والمحيط الهادئ في صندوق النقد الدولي، خلال مؤتمر البترول لآسيا والمحيط الهادئ في سنغافورة، بأن «أسواقاً آسيوية ناشئة مختلفة تأثرت بشكل كبير للغاية».
تفاقم التوترات
ويتوقع مسؤولو القطاع بقاء إمدادات الديزل العالمية شحيحة خلال فصل الشتاء، لا سيما في حال تفاقم التوترات في الشرق الأوسط بما يعطل صادرات الوقود، أو استمرار حظر التصدير الروسي إلى ما بعد شهر أكتوبر؛ حيث أفادت صحيفة «فيدوموستي» الروسية الثلاثاء بأن موسكو قررت تمديد قيود تصدير الديزل حتى نهاية أكتوبر.
وفي هذا الصدد، أشار أليكس هودز، مدير استراتيجية أسواق الطاقة في «ستون إكس»، إلى احتمالية ارتفاع أسعار الديزل في الولايات المتحدة مع إقبال المشترين في الساحل الشرقي على تأمين احتياجاتهم قبيل ذروة موسم التدفئة.
ومن جهة أخرى، يتوقع محللون أن تسهم هوامش تكرير الديزل القياسية في تحفيز الإنتاج، مما قد يحد من وتيرة ارتفاع الأسعار.
علاوة العقود الآجلة للديزل
يذكر أن «فارق تكسير» الديزل الأميركي -الذي يمثل علاوة العقود الآجلة للديزل منخفض الكبريت عن خام النفط- قد سجل مستوى قياسياً بلغ 118.62 دولار للبرميل في 14 سبتمبر.
كما قد يأتي انفراج إضافي من الصين التي عززت صادراتها باطراد خلال الأشهر الأخيرة، وفقاً لما ذكره خبير اقتصاديات الطاقة فيليب فيرليغر هذا الشهر.
روسيا تعتزم تمديد حظر تصدير الديزل حتى نهاية أكتوبر
ومع ذلك، فإن أي تصعيد في الصراع الروسي الأوكراني أو التوترات المتعلقة بإيران، أو حدوث تعطل مفاجئ في إحدى المصافي، قد يؤدي إلى موجات جديدة من ارتفاع الأسعار.
هذا المحتوى مقدم من إرم بزنس

