الخليج يسرّع استثمارات الفضاء مع اتساع الرهان على الاقتصاد التجاري

تتواصل وتيرة التوسع الخليجي في قطاع الفضاء، مع تحول الاستثمارات تدريجياً من برامج الاستكشاف التي تقودها الحكومات إلى منظومة تجارية أوسع تشمل الأقمار الصناعية والاتصالات ومراقبة الأرض والذكاء الاصطناعي، بالتوازي مع تنامي الأهمية الاستراتيجية للقدرات الفضائية.

بحسب تقرير لشركة «كي بي إم جي»، ارتفعت موازنات الفضاء في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بنسبة 69%، في 2015 إلى 2.5 مليار دولار في 2025، بينما يُتوقع أن يصل الإنفاق إلى 3.2 مليار دولار بحلول 2034، بزيادة 30% عن مستويات 2025.

ويشير التقرير إلى أن الإمارات والسعودية وقطر وسلطنة عُمان تمثل المحركات الرئيسية للقطاع في المنطقة، في وقت تتجه فيه دول مجلس التعاون الخليجي إلى ترسيخ موقعها كمركز ناشئ للابتكار الفضائي.

الإمارات واقتصاد الفضاء.. لماذا يجب أن يهتم العالم العربي؟

رأس المال السيادي يدخل مرحلة جديدة

أصبحت صناديق الثروة السيادية الخليجية، وفي مقدمتها «مبادلة» للاستثمار الإماراتية، وصندوق الاستثمارات العامة السعودي، أكثر انخراطاً في القطاع، ضمن توجه أوسع للاستثمار في التكنولوجيا المتقدمة وتنويع الاقتصادات وبناء القدرات المحلية.

لا ترتبط هذه الاستثمارات بالعوائد التجارية فقط، إذ عززت النزاعات الإقليمية الأخيرة القيمة الاستراتيجية للبنية التحتية الفضائية، خصوصاً في مجالات الاتصالات الآمنة ومراقبة الأرض والاستخبارات الجغرافية.

وقال محمد سليمان، الباحث الأول في «معهد الشرق الأوسط»، إن تداعيات حرب إيران أظهرت إمكانية تعرض مراكز البيانات ومنشآت الرادار للتعطيل أو التدهور، بينما تواصل الأقمار الصناعية أداء مهامها في المدار.

وأضاف أن هذه التطورات ستؤثر في طريقة نظر دول الخليج إلى العلاقة بين الفضاء والأمن القومي، مشيراً إلى أن الاستثمار في البنية التحتية الفضائية يمثل مساراً منطقياً للمنطقة.

الإمارات تتحول إلى نموذج تجاري

تبرز الإمارات في هذا التحول، مع انتقال قطاعها الفضائي تدريجياً من برنامج تقوده الحكومة ويركز على الاستكشاف إلى منظومة تجارية تشمل مراقبة الأرض والاتصالات واستكشاف الفضاء العميق.

وفي قلب هذا المسار تأتي شركة «سبيس42» التي تتخذ من أبوظبي مقراً لها، والتي توسع قدرات الإمارات في مراقبة الأرض والاتصالات عبر الأقمار الصناعية.

وأعلنت «سبيس42» أخيراً اتفاقاً ملزماً مع شركة الاتصالات الأميركية «فيا سات» لتأسيس مشروع «إكواتيس»، وهو منصة مشتركة تهدف إلى ربط الهواتف الذكية والأجهزة الأخرى مباشرة بالأقمار الصناعية.

وتعتزم الشركتان استثمار ما يصل إلى مليار دولار في المشروع، الذي سيشغل شبكة مشتركة من الأقمار الصناعية والبنية التحتية الأرضية لصالح عدد من مشغلي الاتصالات والأقمار الصناعية.

ومن المقرر أن تضم الشبكة في مرحلتها الأولى أقل من 200 قمر صناعي، مع خطط لتوسيع الكوكبة إلى نحو 2800 قمر، بهدف خفض التكاليف وتسريع نشر الخدمات وتوسيع نطاق التغطية.

وقال سليمان إن المشروع يستهدف جعل الاتصال عبر الأقمار الصناعية أكثر تنافسية من حيث التكلفة مع الشبكات الأرضية، مستفيداً من نموذج سبق أن أثبت نجاحه في قطاع الاتصالات المتنقلة.

الاستثمارات الخاصة في شركات الفضاء العالمية تتضاعف إلى 23 مليار دولار

الاتصالات ومراقبة الأرض

يبرز الاتصال المباشر بالأجهزة كأحد المجالات التجارية التي تحظى باهتمام متزايد في الإمارات، وفي يوليو، أجرت «سبيس42» وشركة «سكاي لو» الأميركية اختباراً ناجحاً لخدمات الرسائل النصية المباشرة وخدمات الطوارئ (SOS) على هواتف ذكية تعمل بنظام «أندرويد» في الإمارات.

وفي يونيو، أضافت «سبيس42» ثلاثة أقمار صناعية جديدة مزودة بتقنية الرادار ذي الفتحة الاصطناعية (SAR) إلى كوكبة «فورسايت»، بما يسمح بتصوير سطح الأرض ليلاً ونهاراً وحتى في ظل الغطاء السحابي.

وطُورت الأقمار بالتعاون مع شركة «آيس آي» الفنلندية، فيما جرت عمليات الدمج والاختبار في منشآت «سبيس42» بأبوظبي، في نموذج يجمع بين الخبرة التكنولوجية الدولية والقدرات المحلية.

وتستخدم الشركة البيانات الناتجة عن الأقمار الصناعية في منصة «جي آي كيو» للاستخبارات الجغرافية، التي تعتمد على الذكاء الاصطناعي لتحويل البيانات الخام إلى معلومات قابلة للاستخدام خلال دقائق.

وتقول «سبيس42» إن المنصة يمكن أن تقلص زمن الاستجابة لحالات الطوارئ بنسبة تصل إلى 90%.

وقالت آنا هازلت، المؤسسة والرئيسة التنفيذية لشركة «أزور إكس» الإماراتية، إن الأشهر الأخيرة عززت أهمية البنية التحتية الفضائية، خصوصاً في مجالات المراقبة المستمرة ورصد الأرض والاستخبارات الجغرافية والاتصالات الآمنة.

اقتصاد الفضاء.. ثورة اقتصادية بدأت بصاروخ وانتهت بتريليونات الدولارات

تمويل محلي يتوسع

يتزامن هذا التحول مع زيادة مشاركة الشركات المحلية في تمويل قطاع الفضاء، حيث أعلنت «الشركة العالمية القابضة» «IHC»، في وقت سابق من سبتمبر، توسعها في القطاع من خلال استحواذ شركتها التابعة «إنترناشيونال تيك غروب» على حصة تبلغ 80% في «مارلان هولدينغ»، المالكة لشركة «مارلان سبيس» المتخصصة في الاستثمار في تقنيات الفضاء وتشغيلها.

وكانت «مارلان سبيس» قد دخلت في 2024 مشروعاً مشتركاً مع شركة «لوفت أوربيتال» الأميركية لإطلاق «أوربيت ووركس»، باستثمار يبلغ 100 مليون دولار لتطوير أقمار صناعية تجارية في المدار الأرضي المنخفض.

وفي 9 سبتمبر، انضمت «مارلان سبيس» إلى «لوفت أوربيتال» لقيادة ائتلاف يستثمر مليار دولار في فرنسا لتطوير مشروع «ألتاير-نكست جين»، الذي يستهدف إنشاء بنية تحتية للأقمار الصناعية المدعومة بالذكاء الاصطناعي.

وتشمل المرحلة الأولى 50 قمراً صناعياً مزودة بأجهزة استشعار للرادار والتصوير البصري وغيرها من التقنيات، لتلبية احتياجات جهات حكومية في فرنسا وأوروبا والإمارات، إلى جانب عملاء تجاريين وسياديين حول العالم.

وبدأ بالفعل إنتاج 10 من هذه الأقمار في منشأة «أوربيت ووركس» بمدينة خليفة الاقتصادية بأبوظبي «كيزاد»، التي تضم عمليات تصنيع وتشغيل الأقمار الصناعية.

وترى هازلت أن الفرصة الاستثمارية في قطاع الفضاء تتجاوز امتلاك الأقمار الصناعية، لتشمل بناء الشركات والبنية التحتية والتقنيات وسلاسل الإمداد، بما يمكن أن يولد عوائد تجارية بالتوازي مع تعزيز القيمة الاستراتيجية للدولة.

وبذلك، يتسع دور رأس المال الخليجي في اقتصاد الفضاء من تمويل المشاريع إلى بناء منظومة متكاملة تشمل الأقمار الصناعية والاتصالات والبيانات والذكاء الاصطناعي والبنية التحتية، في تحول يعزز حضور المنطقة في الاقتصاد الفضائي العالمي.


هذا المحتوى مقدم من إرم بزنس

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من إرم بزنس

منذ 17 دقيقة
منذ 12 ساعة
منذ 17 دقيقة
منذ 6 دقائق
منذ 6 ساعات
منذ 24 دقيقة
الشرق بلومبرغ منذ 13 ساعة
صحيفة الاقتصادية منذ 17 ساعة
قناة CNBC عربية منذ 20 ساعة
قناة CNBC عربية منذ 7 ساعات
قناة CNBC عربية منذ 4 ساعات
الشرق بلومبرغ منذ 17 ساعة
قناة CNBC عربية منذ 7 ساعات
الشرق بلومبرغ منذ 15 ساعة