في هدوء الجمعة، حين تخف ضوضاء الأسبوع، يستحق أن نستعيد رجلًا عاش قبل أكثر من ستة قرون، سار في طرقات القاهرة ودخل أسواقها وتأمل عمرانها وأحوال أهلها، لكنه لم يرَ الأشياء كما يراها العابرون.
كان اسمه تقي الدين أحمد بن علي المقريزي. عاش المقريزي زمنًا شهد اضطرابًا وغلاءً وأزمات قاسية مست حياة الناس. وكان يستطيع أن يسجل ما حدث ويمضي، لكنه اختار السؤال الأصعب: لماذا حدث ذلك؟
من هنا بدأت فرادة تجربته. لم يرَ التاريخ سجلًا للحكام والمعارك، بل حياةً كاملة تتحرك أمامه. كان السوق عنده وثيقة، والسعر مؤشرًا، والنقود مفتاحًا لفهم الاقتصاد، والعمران ذاكرة للمجتمع. أدرك أن قرارًا يُتخذ بعيدًا عن الناس قد يصل أثره في النهاية إلى لقمة الفقير واستقرار أسرته.
وحين اشتدت الأزمات، حاول أن يبحث خلف ظاهرها. كتب في "إغاثة الأمة بكشف الغمة" عن الغلاء والنقود والإدارة والفساد والاختلال الاقتصادي. وقد يناقش الباحثون اليوم بعض تفسيراته وفق أدوات الاقتصاد الحديث، لكن قيمة منهجه بقيت في شجاعة السؤال والبحث عن الأسباب بدل الاكتفاء بوصف النتائج.
وفي "الخطط" فعل شيئًا لا يقل أهمية. حفظ ذاكرة المكان. دوّن الأحياء والأسواق والمساجد والمنشآت والطرق وتحولات القاهرة ومصر، وكأنه أدرك مبكرًا أن المدن، مثل البشر، تفقد شيئًا من ذاكرتها حين لا تجد من يكتب قصتها. ولو امتلك المقريزي أدوات عصرنا، من قواعد البيانات والخرائط الرقمية إلى الذكاء الاصطناعي، لكانت أمامه إمكانات هائلة. لكنه امتلك ما هو أسبق من الأداة: عينًا تلاحظ، وعقلًا يشك ويسأل، وصبرًا يجمع الشواهد، وضميرًا يرى في المعرفة مسؤولية.
وهنا تصبح قصته شديدة الصلة بعصرنا. فنحن لا نعاني اليوم من ندرة المعلومات، بل من فيضها. تصلنا الأخبار والأرقام والصور والآراء كل دقيقة، وقد نعرف عن العالم أكثر من أي جيل سبقنا، لكن كثرة ما يصل إلينا لا تضمن أننا نفهمه. نقرأ العنوان، ونكوّن الموقف،.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من جو ٢٤
