د. هيثم علي حجازي يكتب: إصلاح القطاع العام يبدأ من الداخل: مَن ينصف الموظف الحكومي؟

تتحدث الحكومات كثيراً عن تحديث

العام، وتطوير الخدمات، والتحول الرقمي، ورفع كفاءة المؤسسات، وهي أهداف ضرورية لأي مشروع إصلاحي جاد. غير أنّ سؤالاً جوهرياً لا يزال بحاجة إلى اهتمام أكبر: كيف يمكن إصلاح الإدارة العامة دون إصلاح العلاقة بين المؤسسة الحكومية وموظفيها؟ وكيف نطالب الموظف بالمبادرة والإبداع والتميز، بينما قد يفتقر في بيئة عمله إلى العدالة والتقدير والأمان المهني؟

إنّ إصلاح

العام لا يتحقق بمجرد تحديث التشريعات، أو إعادة هيكلة المؤسسات، أو إطلاق المنصات الإلكترونية، بل يبدأ مِن مراجعة الثقافة الإدارية التي تحكم العلاقة بين المسؤول والموظف. فالمشكلة في بعض المؤسسات الحكومية ليست دائماً نقصاً في الخطط أو الأنظمة أو التكنولوجيا، وإنما استمرار ممارسات إدارية تنظر إلى الموظف باعتباره منفذاً للتعليمات، لا شريكاً في تحقيق الأهداف وصناعة الخدمة العامة. وهي ممارسات قد تطالبه بالانتماء دون أنْ توفر له العدالة، وبالمبادرة دون أنْ تحمي حقه في الاختلاف، وبالتميز بينما تظل بعض القرارات المتعلقة بمستقبله المهني خاضعة للاجتهادات الشخصية والعلاقات وموازين النفوذ.

مِن هنا، فإنّ "إدارة علاقات الموظفين" ليست شأناً إدارياً هامشياً يقتصر على تنظيم الدوام والإجازات والعقوبات وتقييم الأداء، بل قضية ترتبط بكفاءة

وقدرتها على تقديم خدمات عادلة وفاعلة. فالموظف الحكومي هو الذي يترجم السياسات إلى خدمات، والقرارات إلى إجراءات، والخطط إلى نتائج ملموسة. وحين يعمل في بيئة يسودها الظلم أو التهميش أو الخوف، فإنّ آثار ذلك لا تتوقف عند حدود المؤسسة، بل تمتد إلى المواطن الذي يتلقى خدماتها.

ولعل أول ما يحتاج إليه إصلاح هذه العلاقة هو إعادة الاعتبار لمفهوم العدالة الإدارية. فقد تمتلك المؤسسة أنظمة وتعليمات تنظم أدق التفاصيل، لكن كثرة النصوص لا تعني بالضرورة عدالة التطبيق. فقد يكون القرار الإداري سليماً مِن الناحية الشكلية ومستوفياً لجميع الإجراءات، لكنه يفتقر إلى الإنصاف في دوافعه أو توقيته أو طريقة تنفيذه. والإدارة الرشيدة لا تكتفي بالسؤال عما إذا كان القرار جائزاً قانونياً، بل تتساءل أيضاً عما إذا كان عادلاً، ويستند إلى معايير موضوعية، ويطبق على

دون استثناء. وتبدأ المشكلة عندما تطبق الأنظمة بصرامة على موظف وبمرونة على آخر، وعندما يصبح القرب مِن المسؤول أكثر تأثيراً مِن الكفاءة، وتتوزع فرص التدريب والترقية واللجان والتكليفات وفق اعتبارات غير معلنة. وقد تتخذ هذه الاختلالات صورة أخرى حين يتحمل الموظف المجتهد أعباء إضافية لمجرد أنّ الإدارة تعرف قدرته على الإنجاز، بينما يُعفى الموظف الأقل التزاماً مِن بعض المسؤوليات تجنباً للمواجهة معه. وهكذا يدفع المجتهد ثمن اجتهاده، بينما قد يحصل المقصر على امتياز غير مستحق. وعندما تتكرر هذه الممارسات، تتشكل لدى الموظفين قناعة بأنّ الجهد الإضافي لا يضمن التقدير، وأنّ المبادرة قد تتحول إلى عبء، وأنّ التميز لا يعني بالضرورة التقدم المهني. والنتيجة ليست مجرد تراجع في الرضا الوظيفي، بل إضعاف روح المبادرة، وتشجيع الاكتفاء بالحد الأدنى مِن الأداء، وتحويل الموظف مِن شخص يسعى إلى الإنجاز إلى شخص ينشغل بحماية نفسه وتجنب المشكلات.

غير أنّ الحديث عن العدالة الإدارية يبقى ناقصاً ما لم يمتد إلى مساءلة القيادات نفسها. ففي بعض المؤسسات تتركز إجراءات المساءلة على الموظفين، بينما قد تبقى أساليب المديرين وممارساتهم بعيدة عن التقييم الحقيقي. فإذا تراجع أداء وحدة إدارية، كان التفسير الجاهز أنّ الموظفين غير ملتزمين أو يقاومون التغيير، وإذا تكررت الخلافات وُصف الفريق بأنه صعب أو غير متعاون، أما السؤال عن دور المدير في إنتاج هذه البيئة فكثيراً ما يجري تجاهله. فقد يكون المدير متمكناً مِن الناحية الفنية، لكنه يفتقر إلى مهارات إدارة البشر، وقد ينجح في إعداد التقارير ومتابعة المعاملات، لكنه يفشل في التواصل والاستماع وإدارة الخلافات. والأخطر أنْ يخلط بين القيادة وممارسة السلطة، وبين الانضباط والصمت، وبين الاحترام والخوف، فينظر إلى الموظف الذي يناقش القرار باعتباره مشاغباً، وإلى النقد المهني باعتباره تحدياً لهيبته الإدارية.

في مثل هذه البيئة، يتعلم الموظفون أنّ الصمت أكثر أماناً مِن إبداء الرأي، وأنّ الموافقة أسهل مِن المناقشة، حتى عندما تكون لديهم ملاحظات قد تمنع خطأً إدارياً أو تحسِّن قراراً مؤسسياً. وهنا تظهر إحدى أخطر نتائج الإدارة غير الرشيدة، وهي الصمت الوظيفي، الذي لا يعكس بالضرورة رضا الموظفين أو اقتناعهم بالقرارات، بل قد يكون تعبيراً عن خوفهم مِن العواقب المحتملة للاعتراض أو فقدانهم الثقة بجدوى

عن آرائهم. ولذلك، فإنّ انخفاض عدد الشكاوى لا ينبغي أنْ يفسر تلقائياً بوصفه مؤشراً على الرضا والاستقرار، فقد يكون أيضاً نتيجة لتراجع الثقة بقنوات التظلم. والمؤسسة التي لا تسمع النقد قد تفقد قدرتها على اكتشاف أخطائها وتصحيحها، والقيادة التي تحيط نفسها بمن يوافقونها دائماً قد تصبح معزولة عن الواقع الفعلي داخل مؤسستها. وحين يختار الموظفون الصمت، تتراجع المبادرات، ويتم إخفاء الأخطاء، ويصبح الهدف الأساسي تجنب المسؤولية بدلاً مِن تحسين الأداء.

مِن هنا، لا يكفي أنْ يُقيَّم المدير وفق سرعة إنجاز المعاملات أو حجم الإنفاق أو مدى تنفيذ الخطة السنوية، بل ينبغي أنْ يشمل تقييمه مستوى الثقة داخل المؤسسة، وعدالة توزيع المهام والفرص، وقدرته على الاحتفاظ بالكفاءات، وطبيعة الشكاوى المتكررة المرتبطة بأسلوبه، ومدى شعور الموظفين بالأمان عند

عن آرائهم. ومِن غير المنطقي أنْ يمتلك المدير وحده سلطة تقييم موظفيه، بينما لا تتوافر لهؤلاء وسيلة مهنية وآمنة لتقييم ممارساته الإدارية وأثرها في بيئة العمل.

وترتبط بهذه القضية مشكلة أخرى لا تقل أهمية، تتمثل في أنظمة تقييم الأداء. فمن المفترض أنْ يكون التقييم وسيلة لتطوير الموظف وتحسين إنتاجيته، لكنه قد يتحول أحياناً إلى إجراء سنوي شكلي أو أداة للمجاملة أو وسيلة لتصفية الخلافات الشخصية. وقد يحصل موظفون متفاوتون في أدائهم على تقديرات متشابهة، بينما يمنح آخرون تقديرات لا تعكس إنجازهم الفعلي، دون أنْ يعرف الموظف أسباب النتيجة التي حصل عليها أو المعايير التي استند إليها مديره. إنّ التقييم الذي لا يستطيع المدير تفسيره يفتقر إلى المهنية، والتقييم الذي يتأثر بالخلافات الشخصية يفقد مصداقيته، أما التقييم الذي لا يوفر للموظف حقاً فعلياً في المراجعة والاعتراض فقد يتحول مِن وسيلة للتطوير إلى أداة للضغط والسيطرة. ولذلك، فإنّ إصلاح منظومة تقييم الأداء ينبغي أنْ يرتبط بإصلاح منظومة تقييم القيادات نفسها، بحيث يخضع الطرفان لمعايير واضحة وموضوعية، وتصبح المساءلة مسؤولية مشتركة لا سلطة تمارس في اتجاه واحد.

وتبرز أهمية العدالة والمساءلة بصورة أوضح في أنظمة الشكاوى والتظلمات. فوجود منصة إلكترونية أو صندوق للشكاوى لا يعني بالضرورة أنّ الموظف يشعر بالأمان عند استخدامه. فالقيمة الحقيقية لأي نظام تظلُّم لا تقاس بعدد القنوات المتاحة، بل بمقدار ثقة الموظفين في نزاهتها واستقلاليتها وقدرتها على حمايتهم. فالموظف لن يتقدم بشكوى إذا كان يعلم أنها ستعود إلى المدير نفسه الذي يشتكي منه، ولن يعترض على قرار إذا كان يخشى أنْ يدفع ثمن اعتراضه في تقييم أدائه أو فرص ترقيته أو نقله مستقبلاً. وقد لا يتعرض لعقوبة مباشرة بسبب شكواه، لكنه قد يواجه أشكالاً غير معلنة مِن العقاب.....

لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


هذا المحتوى مقدم من وكالة أنباء سرايا الإخباريه

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من وكالة أنباء سرايا الإخباريه

منذ 6 ساعات
منذ 7 ساعات
منذ ساعتين
منذ 7 ساعات
منذ 6 ساعات
منذ 3 ساعات
وكالة أنباء سرايا الإخباريه منذ 5 ساعات
قناة رؤيا منذ 3 ساعات
صحيفة الغد الأردنية منذ 22 ساعة
خبرني منذ 12 ساعة
قناة المملكة منذ 7 ساعات
صحيفة الدستور الأردنية منذ 4 ساعات
موقع الوكيل الإخباري منذ ساعتين
خبرني منذ 6 ساعات