حين يحاول الباحث فهم قدرة إسرائيل على الحفاظ على حضور سياسي وعسكري ودبلوماسي مؤثر في منطقة شديدة التعقيد، فإن اختزال المسألة في التفوق العسكري أو الدعم الخارجي وحده يبقى قراءة ناقصة. فالقوة التي تمنح دولة ما قدرة واسعة على الحركة لا تولد من عنصر منفرد، وإنما من منظومة متراكمة تتداخل فيها المؤسسات، والاقتصاد، والتكنولوجيا، والبحث العلمي، والقوة العسكرية، والتحالفات الدولية، والدبلوماسية، والإعلام، والقدرة على إدارة الأزمات. ومن هذه الزاوية يمكن فهم جانب مهم من قدرة إسرائيل على الاستمرار في سياساتها، وعلى التعامل مع الضغوط الدولية، وعلى المحافظة على هامش واسع من الحركة حتى عندما تواجه انتقادات وقرارات ومواقف أممية متكررة. إن أول مقومات هذه القوة يتمثل في بناء مؤسسات دولة قادرة على
في الظروف الطبيعية والاستثنائية، وعلى تعبئة الموارد واتخاذ القرار وإدارة الأزمات. فالقوة في العلاقات الدولية لا تقاس بمساحة
أو عدد سكانها وحدهما، وإنما بقدرة المؤسسات على تحويل الموارد المتاحة إلى سياسات وقدرات قابلة للاستمرار. وتظهر البيانات الاقتصادية الحديثة أن الناتج المحلي الإجمالي الإسرائيلي بلغ نحو 610.8 مليار دولار عام 2025، مع تجاوز عدد السكان عشرة ملايين نسمة، وهو ما يوفر قاعدة اقتصادية مهمة لتمويل قطاعات الأمن والتكنولوجيا والبحث والتطوير والخدمات العامة. وفي
هذه المنظومة تأتي القوة العسكرية، التي لا يمكن فصلها عن البنية الاقتصادية والتكنولوجية والعلمية للدولة. فقد بلغ الإنفاق العسكري الإسرائيلي نحو 48.3 مليار دولار عام 2025، بما يعادل نحو 7.8% من الناتج المحلي الإجمالي، وهو مستوى مرتفع للغاية وفقا للمقاييس الدولية. والأهم من حجم الإنفاق نفسه أن المؤسسة العسكرية ترتبط بمنظومة واسعة من الصناعات الدفاعية ومراكز البحث والتطوير والجامعات وشركات التكنولوجيا، الأمر الذي يسمح بتحويل المعرفة العلمية إلى قدرات أمنية وعسكرية متقدمة. وهنا تتضح إحدى أهم خصائص القوة الإسرائيلية: القدرة على دمج التكنولوجيا بالأمن. فالتكنولوجيا لم تعد قطاعا اقتصاديا منفصلا عن منظومة القوة، بل أصبحت جزءا من بنيتها الأساسية. وقد تطورت قطاعات البرمجيات والأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي والتقنيات الدفاعية والبحث والتطوير، بما جعل المعرفة التقنية موردا استراتيجيا يتقاطع مع الاقتصاد والدفاع والاتصالات. وفي عصر تتزايد فيه أهمية البيانات والأمن السيبراني والأنظمة الذكية، يصبح التفوق المعرفي أحد أشكال القوة التي لا تقل أهمية عن امتلاك السلاح التقليدي. لكن الاقتصاد والتكنولوجيا لا يعملان في فراغ؛ فهناك عنصر آخر بالغ الأهمية يتمثل في رأس المال البشري. فالدولة التي تمتلك منظومة متقدمة من
والبحث العلمي والتخصصات الهندسية والتقنية تكون أكثر قدرة على إنتاج المعرفة وتطوير الصناعات وبناء الكفاءات. وعندما تتصل
ومراكز البحث بالقطاع
والمؤسسات الأمنية والصناعات المتقدمة، تنتقل المعرفة من المختبر إلى السوق، ومن البحث العلمي إلى التكنولوجيا، ومن التكنولوجيا إلى قدرة اقتصادية واستراتيجية. ويضاف إلى ذلك عامل العلاقات والتحالفات الدولية، وفي مقدمتها العلاقة الاستراتيجية مع الولايات المتحدة. فهذه العلاقة تمثل أحد المحاور المهمة في فهم موقع إسرائيل الدولي، لما تتضمنه من أبعاد سياسية وعسكرية واقتصادية ودبلوماسية. كما أن شبكة العلاقات الدولية التي بنتها إسرائيل على مدى عقود وفرت لها قنوات متعددة للتأثير والتفاوض وإدارة الأزمات، وهو ما يعني أن القوة الدولية لا تقاس فقط بما تمتلكه
داخل حدودها، وإنما أيضا بما تستطيع حشده من علاقات وشراكات ومصالح خارجها. وهنا تبرز الدبلوماسية باعتبارها مكونا من مكونات القوة، لا مجرد أداة بروتوكولية. فالدولة المؤثرة لا تكتفي بطرح مواقفها، وإنما تعمل على بناء شبكات من المصالح والتحالفات، والتأثير في مراكز القرار، وتقديم روايتها السياسية، وإدارة الخلافات مع الحلفاء والخصوم. ومن ثم فإن جزءا من قدرة إسرائيل على مواجهة الضغوط الدولية يرتبط بقدرتها على تحويل علاقاتها الاستراتيجية إلى مساحة سياسية للمناورة. وفي المقابل، فإن محدودية قدرة المجتمع الدولي على فرض بعض قراراته لا تعني غياب القانون الدولي، ولا تعني أن قرارات الأمم المتحدة بلا قيمة. بل تكشف عن مشكلة أعمق في بنية النظام الدولي، تتمثل في الفجوة بين وجود القاعدة القانونية وبين امتلاك الأدوات السياسية القادرة على إنفاذها. وقد أكد
الأمن في القرار 2334 أن المستوطنات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ عام 1967، بما فيها
الشرقية، لا تتمتع بشرعية قانونية، وأنها تشكل عقبة أمام حل الدولتين والسلام العادل والدائم والشامل. وهنا تظهر إحدى أكثر مفارقات النظام الدولي تعقيدا: قد تكون القاعدة القانونية واضحة، وقد يصدر القرار الدولي، وقد تتوالى التقارير والمواقف، لكن التنفيذ يظل مرتبطا بموازين القوى وآليات صنع القرار داخل المؤسسات الدولية، ولا سيما
الأمن، وبمواقف الدول الكبرى ومصالحها الاستراتيجية. ولذلك فإن فهم قدرة إسرائيل على تحدي الضغوط الدولية يتطلب فهم النظام الدولي نفسه، وليس دراسة إسرائيل بمعزل عنه. كما أن القوة الاقتصادية تؤدي دورا محوريا في هذه المعادلة. فاقتصاد قوي يمنح
قدرة أكبر على تمويل البحث العلمي، وتطوير.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من وكالة أنباء سرايا الإخباريه
