في المسافة بين هندسة الإصلاح وواقع الممارسة الصفية.
كل إصلاح تربوي يمر، عبر انتقاله من الوثيقة إلى الممارسة، باختبار لا توفره الخطة وحدها. ففي الفصل الدراسي تتقاطع التصورات المسبقة مع واقع المتعلمين، وتتحول المبادئ العامة إلى قرارات يومية تتعلق بإيقاع التعلم، وطريقة بناء المعرفة، ومعالجة التعثر، وتدبير الزمن، واختيار الأنشطة والموارد. وهنا، تحديدا، يمكن الوقوف على المسافة الفاصلة بين ما تقترحه هندسة الإصلاح وما تسمح به شروط الممارسة الصفية.
تندرج تجربة مؤسسات الريادة ضمن هذا الأفق الإصلاحي. فقد بلورت وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة نموذج مؤسسات الريادة في إطار تنزيل خارطة الطريق 2022-2026 مرتكزة على تجويد التعلمات الأساسية واعتماد مقاربات تربوية فعالة، وتوفير دعم مستمر للمتعلمين/ات المتعثرين/ات، وإرساء منظومة تقييم دقيقة، وتعزيز كفايات المدرسين إلى جانب الارتقاء بحكامة المؤسسة وتجهيزاتها. وتشير الوزارة إلى أن التقييمات المستقلة للمرحلة التجريبية التي انطلقت خلال الموسم الدراسي 23-24، أظهرت أثرا مهما على عدد من المؤشرات المرتبطة بالتعلّمات وأداء المؤسسات والحياة المدرسية وانخراط مختلف الفاعلين.
وتستمد التجربة أهميتها من كونها تحاول معالجة إشكال مركزي في المدرسة: الفجوة بين المستوى المفترض للمتعلم والمستوى الذي يوجد عليه فعلا. لذلك أصبح التشخيص مدخلا أساسيا، وأصبح السؤال عن التعلم الفعلي أكثر حضورا في بناء التدخل التربوي.
غير أن هذا التحول يفتح، في المقابل، مجالا واسعا للتساؤل حول كيفية استمرار منطق التشخيص داخل الحصة الدراسية، وحول موقع المدرّس من السيناريوهات والموارد التي تؤطر العملية التعليمية، وحول قدرة الزمن المدرسي على استيعاب متطلبات الدعم والمعالجة.
وهذه الأسئلة تكتسب وجاهتها من صميم الممارسة، حيث لا يتعامل المدرس مع متعلم افتراضي، وإنما مع مستويات وحاجات واستجابات متباينة.
التعلمات الأساس: حين يصبح التشخيص نقطة انطلاق
تقوم مقاربة مؤسسات الريادة على إعطاء التعلمات الأساس موقعا مركزيا، باعتبارها قاعدة لا غنى عنها تتأسس عليها التعلمات اللاحقة. وفي هذا السياق، تعتمد التجربة مرحلة لتشخيص مكتسبات المتعلمين، ثم تفييئهم وفق مستوياتهم الفعلية، مع اعتماد منهجية التدريس وفق المستوى المناسب TaRL، وتخصيص تدخلات تتلاءم مع مستوى كل فئة.²
يحمل هذا الاختيار دلالة تربوية واضحة. فالمتعلم الذي لم يكتسب مهارة معينة يحتاج إلى نقطة انطلاق مختلفة عن زميل تمكن منها جزئياً أو تجاوزها. والعدالة التربوية، في هذا السياق، تقتضي أن يأخذ التدخل بعين الاعتبار الحاجة الفعلية، بدل افتراض تجانس غير موجود.
غير أن التشخيص لا يكتسب قيمته من قدرته على وصف الواقع فحسب. فأهميته الحقيقية تظهر حين يتحول إلى قرار بيداغوجي مستمر: ماذا سندرس؟ وبأي درجة من التعقيد؟ وما مقدار الدعم الذي يحتاجه هذا المتعلم أو ذاك؟ ومتى يمكن الانتقال إلى تعلم جديد؟
ومن هنا تولد أحد الأسئلة المركزية في تجربة الريادة: هل ينتقل أثر التشخيص من مرحلة الكشف عن الفروق إلى مرحلة بناء التدريس نفسه؟
مفارقة المسارات الثلاث: حين ينفصل التفييء عن التدريس.
تظهر هذه المسألة بصورة أكثر وضوحاً أثناء مرحلة الدعم المكثف وفق منهجية TaRL. فبعد التشخيص، يتم تفييء المتعلمين إلى ثلاث مسارات، ويُبنى لكل فئة مسار تعليمي يتناسب مع مستوى التحكم في التعلمات المستهدفة. وتُعد الموارد والشرائح التعليمية من قبل الفريق التربوي المركزي والموجهة إلى كل مسار، بما يسمح بتقديم تدخلات أكثر ملاءمة لحاجات المتعلمين، وتترجم عملياً مبدأ تكافؤ الفرص والإنصاف في الاستفادة من الدعم.
وهنا يبدو المنطق البيداغوجي متماسكاً: تشخيص الفروق، ثم بناء تدخلات مختلفة استنادا إليها. غير أن الوضع يتخذ شكلا مختلفا عند الانتقال إلى مرحلة التعليم الصريح. ففي هذه المرحلة يعاد توزيع المتعلمين داخل الفصول وفق البنية التربوية المعتمدة في كل مؤسسة، فتعود المسارات الثلاثة إلى فضاء صفي واحد. ومع هذا التجميع، يجد المدرس نفسه أمام سيناريو بيداغوجي موحد، بموارد وتسلسل وإيقاع مشترك، رغم أن التشخيص السابق كشف عن اختلافات حقيقية في مستويات المتعلمين. وهنا تبرز مفارقة تستحق الوقوف عندها.
لقد بُذِل جهدٌ تربوي كبير في تحديد مستوى كل متعلم، وتصنيفه ضمن المسار الذي يناسبه، وإعداد موارد تستجيب لحاجته. ثم تأتي مرحلة لاحقة تعيد المتعلمين إلى وضعية تعليمية مشتركة، بما قد يجعل المسافة بين المسارات الثلاثة أقل حضورا داخل الحصة.
ولا يتعلق الأمر بالاعتراض على إعادة التجميع؛ إذ قد تفرضه اعتبارات تنظيمية وبيداغوجية مشروعة، وإنما ينصب السؤال على مدى استمرار منطق التمايز داخل الحصة بعد انتهاء مرحلة التفييء.
فإذا كان التشخيص قد كشف أن المتعلمين لا يوجدون في النقطة نفسها، فإن التمايز ينبغي أن يجد طريقه إلى قلب الحصة: في درجة صعوبة النشاط، وفي مقدار الدعم المقدم، وفي نوعية الأسئلة، وفي حجم التدريب، وفي الزمن الممنوح للمتعثرين، وفي طبيعة الموارد المستعملة.
أما الاقتصار على تفيئ المتعلمين في مرحلة معينة ثم جمعهم لاحقاً أمام مسار تعليمي موحد، فيجعلنا أمام سؤال جوهري: ما الذي يبقى من القيمة البيداغوجية للتشخيص إذا لم ينعكس بصورة مستمرة على طبيعة التدخل؟
فالتشخيص لا يصبح ذا قيمة تربوية كاملة إلا حين يَنتجُ عنه فعل تعليميّ ملائم.
من التفييء إلى التّمايز: السؤال الذي يستحق أن يطرح.
ثمة فرق بين أن نعرف أن المتعلمين متفاوتون، وأن نبني التدريس على أساس هذا التفاوت.
فالأول عمل تشخيصي؛ والثاني ممارسة بيداغوجية.
إن تشخيص التفاوت لا يساوي بعد الاستجابة له؛ فالمسافة بين معرفة اختلاف المتعلمين وتخطيط التدريس على أساس هذا الاختلاف، هي في نهاية المطاف، المسافة بين التفييء والتمايز
وقد تكون تجربة الريادة قد قطعت شوطا مهما في الجانب الأول من خلال الاختبارات والتفييء والمسارات. أما الرهان الأصعب فيكمن في جعل هذه المعرفة جزءا من الممارسة اليومية داخل الحصة.
فالتّمايز لا يعني بالضرورة إعداد ثلاثة دروس مستقلة في كل حصة، ولا يقتضي تفتيت القسم إلى وحدات منفصلة. يمكن أن يتحقق بطرائق أكثر مرونة: نشاط مشترك بدرجات مختلفة من الصعوبة، أسئلة متدرجة، دعم إضافي لمجموعة معينة، زمن أطول لبعض المتعلمين، موارد مساعدة، أو مهام توسعية لمن تجاوزوا الهدف. المهم أن يبقى الاختلاف الذي كشفه التشخيص حاضرا في التدريس. وهذه نقطة أساسية في فهم الإنصاف التربوي. فالإنصاف لا يعني أن يحصل الجميع على الشيء نفسه في اللحظة نفسها وبالطريقة نفسها؛ وإنما يعني أن تتناسب شروط التعلم مع الحاجات الفعلية للمتعلمين. ومن ثم، فإن السؤال الذي تطرحه تجربة الريادة ليس فقط: هل تم تفييء المتعلمين؟ بل: ماذا أنتج هذا التفييء داخل الحصة؟
المدرس بين السيناريو المركزي والحاجة إلى التكييف.
تتضمن تجربة مؤسسات الريادة موارد تعليمية مجددة ورقمية، وتستفيد الأقسام من وسائل العرض، كما تجعل الوزارة من التكوين والمواكبة الميدانية أحد مكونات النموذج.³
ولا جدال في أهمية هذه الموارد. فالعمل المدرسي يحتاج إلى عدة تربوية منظمة، وإلى موارد ذات جودة، وإلى قدر من الانسجام في المضامين والمقاربات. كما أن إعداد موارد مركزية يمكن أن يخفف عن المدرس جزءا مهما من أعباء التحضير، ويتيح له الاشتغال ضمن إطار مشترك.
لكن المورد التعليمي يظل أداة، وقيمته المهنية تتحدد بالطريقة التي يوظف بها داخل وضعية تعليمية معينة. وهنا يبرز سؤال المدرس.
فحين يكشف التقويم أن قسما من المتعلمين لم يستوعب المفهوم المستهدف، يحتاج المدرس إلى إعادة بناء الشّرح. وحين يلاحظ أن النشاط يتجاوز قدرات مجموعة معينة، يحتاج إلى تعديله أو تجزيئه. وحين يجد أن بعض المتعلمين بلغوا الهدف بسرعة، يحتاج إلى توفير مهام أكثر تحديا لهم. هذه القرارات جزء من صميم الممارسة المهنية، ولا يمكن حسمها كلها مسبقا.
وتزداد حساسية المسألة حين يكون السيناريو البيداغوجي معدا مركزيا ومصمما ليطبق وفق تسلسل محدد. ففي هذه الحالة قد يجد المدرس نفسه أمام مفارقة بين مطلبين متلازمبن: الالتزام بالمسار المقرر من جهة، والاستجابة للمعطيات التي يكشفها القسم من جهة أخرى.
المشكلة، إذن، ليست في وجود سيناريو بيداغوجي مشترك؛ وإنما في المساحة التي يتركها هذا السيناريو للقرار المهني. فكلما كان المدرس مطالبا بالتدريس وفق مستوى المتعلم، وجب أن تكون له قدرة حقيقية على تكييف التدريس وفق هذا المستوى. وإلا أصبح التشخيص منفصلا عن القرار، وأصبح.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من هسبريس
