تدفع الجزائر شبكة السكك الحديدية نحو اقصى جنوبها وتحديا إلى تمنراست، مع دراسة تمديدها إلى إن قزام على الحدود مع النيجر، في مشروع يستهدف فتح مسار لنقل البضائع من المراكز الصناعية والموانئ في الشمال إلى أسواق الساحل الإفريقي.
وتظهر البيانات أن حجم التجارة الحالية مع النيجر لا يزال محدوداً مقارنة بحجم الاستثمارات المطلوبة للممر، ما يجعل جدواه مرتبطة بقدرته على خفض كلفة النقل وتوسيع تدفقات التجارة عبر الحدود خلال السنوات المقبلة.
ويضع «مركز التعاون متعدد الأطراف لتمويل التنمية» هذه الجدوى في صلب المشروع، إذ يربط امتداد السكك مستقبلاً نحو النيجر والساحل بدعم التجارة الزراعية والتعدينية وربطها بموانئ الجزائر على المتوسط.
محافظ ثالث لبنك الجزائر في 4 سنوات.. ماذا يعني للإصلاح النقدي؟
3.2 مليار دولار وراء ممر السكك إلى جنوب الجزائر
يمتد خط «الأغواط-غرداية-المنيعة»، وهو إحدى الحلقات الرئيسة في المشروع، لمسافة 495 كيلومتراً. وفي يوليو، وافق «البنك الإفريقي للتنمية» (AfDB) على تمويل 878.09 مليون دولار للمرحلة الثانية، التي تشمل مقطع غرداية-المنيعة بطول 230 كيلومتراً.
ويقدّر «مركز التعاون متعدد الأطراف» حجم التمويل المحتمل للمشروع بنحو 3.2 مليار دولار، بمشاركة الحكومة الجزائرية ومؤسسات تمويل دولية. وتضع وثائق «البنك الإفريقي للتنمية» الخط ضمن ممر السكك العابر للصحراء، المخطط لامتداده من الجزائر العاصمة إلى تمنراست بطول يقارب 2040 كيلومتراً.
ولا تقتصر الأهداف المعلنة على تحسين الاتصال بين الشمال والجنوب. فالمؤسسات الممولة تربط المشروع بخفض تكاليف النقل، وتقريب مناطق الإنتاج من الأسواق، وتعزيز التكامل بين السكك والطرق والموانئ.
وتزداد أهمية هذا البعد مع اتجاه التخطيط إلى ما بعد تمنراست، ففي سبتمبر، عُرضت الدراسة الأولية لتمديد السكة إلى إن قزام، بما يقرب الشبكة الحديدية من الحدود مع النيجر والطريق البري المتجه إلى أسواق الساحل.
وهنا تظهر الفجوة التي يحتاج المشروع إلى تجاوزها، فقد استوردت النيجر بضائع بقيمة 1.5 مليار دولار في 2024، لم تتجاوز حصة الجزائر منها 53.7 مليون دولار، أو 3.6%، بحسب بيانات «منظمة التجارة العالمية» (WTO) المستندة إلى بيانات التجارة الدولية.
الاقتصاد الموازي في الجزائر.. نزيف 60 مليار دولار سنوياً
ما البضائع التي يمكن أن تملأ قطارات الجزائر نحو الساحل؟
لا تكشف قيمة التجارة وحدها الطلب المحتمل على السكك، إذ تتحدد اقتصاديات نقل البضائع أيضاً بوزن الشحنات وانتظامها والمسافات التي تقطعها. وتظهر داخل الصادرات الجزائرية بالفعل سلع ثقيلة يمكن أن تستفيد من خفض كلفة النقل جنوباً.
ويبرز الأسمنت بين هذه السلع، فقد صدرت الجزائر نحو 555 ألف طن من الأسمنت البورتلاندي في 2024، تظهر بيانات «البنك الدولي» (World Bank) أن قرابة 29 ألف طن منها اتجهت إلى النيجر، بقيمة قاربت 2.9 مليون دولار.
كما وصلت شحنات الأسمنت الجزائرية إلى أسواق إفريقية أبعد مثل غانا وغامبيا، ما يجعل السوق المحتمل للممر أوسع من النيجر نفسها إذا أصبحت كلفة عبور الصحراء أكثر تنافسية.
وتظهر بيانات التجارة الدولية أيضاً صادرات جزائرية من الحديد والصلب إلى أسواق إفريقية، من بينها النيجر والسنغال وموريتانيا. ويكتسب هذا النوع من السلع أهمية أكبر للممر بسبب أحجام الشحن وارتفاع أثر النقل في الكلفة النهائية للمنتج.
يفسر ذلك تركيز الجهات الممولة على التجارة الزراعية والتعدينية والأنشطة المرتبطة بها. فالمعادلة التي يعرضها «مركز التعاون متعدد الأطراف» لا تقوم فقط على تحويل البضائع الموجودة من الشاحنات إلى القطارات، وإنما على خفض الكلفة اللوجستية بما يدعم نمو التجارة عبر الحدود.
ويعني ذلك أن حجم التجارة الحالي لا يمثل بالضرورة سقف الطلب على الخط، لكنه يرفع حجم الرهان: نجاح الممر يحتاج إلى توسيع قاعدة الصادرات الثقيلة والمتكررة إلى أسواق الساحل، وليس الاكتفاء بالتدفقات الحالية.
مع تراجع المخزون إلى 53%.. ألمانيا تستعين بالجزائر لسد فجوة الغاز
«إن قزام» تربط السكك الجزائرية بالطريق نحو النيجر
لا يحتاج الامتداد الحديدي إلى الوصول بالقطار إلى كل سوق إفريقي حتى يؤدي وظيفة تجارية. فالطريق العابر للصحراء يربط الجزائر بالفعل بالنيجر ومنها إلى نيجيريا، مع فروع باتجاه مالي وتشاد وتونس، ما يوفر الحلقة البرية التي يمكن أن تستكمل رحلة البضائع بعد انتهاء السكة.
وتشير دراسات «البنك الإفريقي للتنمية» إلى أن تطوير هذا الطريق خفض زمن نقل الشاحنات الثقيلة من الموانئ الأوروبية إلى مدن شمال النيجر من نحو 40 يوماً في 2013 إلى 18 يوماً في 2018. ورغم أن الأرقام لا تصف زمن الرحلة الحالي، فإنها تظهر أثر تطوير البنية التحتية في الوصول إلى الأسواق الداخلية في الساحل.
ويمكن للسكك أن تضيف حلقة جديدة إلى هذه الشبكة بدلاً من منافستها. فوثائق المشروع تتحدث عن تكامل السكك والطرق والموانئ، بما يسمح بنقل البضائع من مناطق الإنتاج والموانئ الجزائرية بالقطار عبر المسافة الطويلة داخل البلاد، ثم تحويلها إلى الشاحنات لاستكمال الرحلة جنوب الحدود.
لهذا تكتسب دراسة تمديد السكة من تمنراست إلى إن قزام أهمية تجارية تتجاوز إضافة محطة جديدة. فالاقتراب من الحدود يسمح بنقل نقطة التحويل بين القطار والشاحنة إلى نهاية الرحلة داخل الجزائر، لكنه يتطلب في المقابل مرافق للمناولة والتخزين وخدمات جمركية تحد من الوقت والكلفة عند انتقال البضائع بين الوسيلتين.
هل تنشئ السكك تجارة أكبر مع أسواق إفريقيا؟
تصبح المعادلة التي تختبرها الجزائر أكثر وضوحاً عند هذه النقطة: السكك تخفض كلفة المسافة الطويلة داخل البلاد، والطرق تفتح الوصول إلى الأسواق بعد الحدود، بينما توفر الموانئ اتصال الممر بالتجارة الدولية.
وتبقى الجدوى التجارية للممر مرتبطة بحجم التدفقات التي يمكن أن يستقطبها مستقبلاً، لا بحركة التجارة الحالية وحدها. فكلما خفّضت السكك كلفة نقل السلع الثقيلة ووسعت وصولها إلى أسواق الساحل، ارتفعت قدرتها على دعم تجارة أكبر بين الجزائر ودول المنطقة.
أما بقاء التدفقات عند مستوياتها الحالية، فيعني أن المشروع سيحتاج إلى توسع فعلي في حجم التجارة حتى يواكب حجم الاستثمارات المخصصة له.
هذا المحتوى مقدم من إرم بزنس
