حزب البام الأول انتخابيا بلا زعامة سياسية.. هل فضح فوزي لقجع أزمة القيادة الثلاثية؟

لم يكن حصول حزب الأصالة والمعاصرة على المرتبة الأولى في انتخابات 23 شتنبر 2026، بـ97 مقعداً، مجرد انتقال في ترتيب الأحزاب المغربية، بل وضع الحزب أمام مفارقة سياسية ربما لم تكن مطروحة بالحدة نفسها قبل الاقتراع: كيف يمكن لحزب أن ينجح في إنتاج المرتبة الأولى انتخابيا، بينما يظل السؤال مفتوحا حول الشخصية القادرة على تجسيد هذا الانتصار سياسيا؟

الملاحظ أن النتائج النهائية منحت التراكتور 97 مقعدا، متقدما على الاستقلال بـ66 مقعدا، وحزب التجمع الوطني للأحرار بـ65، والعدالة والتنمية بـ54 مقعدا، إنها صدارة انتخابية واضحة بالأرقام، لكنها أعادت إلى الواجهة سؤالا مختلفا عن الحساب الانتخابي، إنه سؤال القيادة.

ذلك أن الانتخابات تستطيع أن تمنح الحزب مقاعد كثيرة، لكنها لا تمنحه، بالضرورة، زعيما سياسيا بالوزن نفسه، وهذه ربما إحدى المفارقات الغريبة العجيبة التي كشفتها تجربة الأصالة والمعاصرة خلال حملة 2026.

لقد دخل حزب الجرار الاستحقاقات بقيادة جماعية ثلاثية تضم فاطمة الزهراء المنصوري، ومحمد المهدي بنسعيد، وفاطمة السعدي، وهو نموذج قدمه الحزب، حسب أزعومته المخاتلة، اختيارا سياسيا وتنظيميا يروم تجاوز منطق الزعامة الفردية. وكانت المنصوري قد دافعت، قبل الانتخابات، عن هذا النموذج، مؤكدة أن الحزب يؤمن بالعمل الجماعي والجهوية بدل القرار الفردي والمركزي !!!

لكن، وبمجرد الإعلان عن النتائج، لم يعد السؤال هو ما إذا كانت القيادة الثلاثية قد نجحت في إدارة الحزب، بل أصبح: أي شخصية تستطيع أن تجسد سياسياً 97 مقعداً؟ وهنا ظهرت كشفت المعضلة التنظيمية المسافة بين قوة الحزب الانتخابية وقوة البروفايل القيادي !!

صحيح أن القيادة الثلاثية كانت حاضرة في الحملة، وأن المنصوري وبنسعيد شاركا في تجمعات ولقاءات انتخابية، بل إن الموقع الرسمي للحزب تحدث عن حضورهما باعتبارهما من أبرز وجوه الحملة، لكن الحضور التنظيمي شيء، والقدرة على فرض شخصية سياسية قادرة على اختزال الحزب وتمثيله في لحظة الانتقال إلى تدبير الحكومة شيء آخر.

ذلك أن رئيس الحكومة المفترض لا يحتاج فقط إلى انتمائه إلى الحزب المتصدر، وإنما سيكون عمليا أمام مهمة بناء أغلبية، والتفاوض مع أحزاب لها مصالح وحسابات مختلفة، وتدبير فريق حكومي متعدد الحساسيات، ومواجهة المعارضة داخل البرلمان، والتواصل مع الرأي العام، وتحمل الكلفة السياسية للقرارات الكبرى.

ولهذا فإن البروفايل المطلوب يتجاوز الموقع التنظيمي داخل الحزب إلى عناصر أخرى من قبيل التجربة السياسية، والقدرة على الإقناع، وسرعة الرد، والتفاوض، والحضور العمومي، وإدارة الأزمات، وفهم منطق الدولة ومؤسساتها، وفي الوقت نفسه امتلاك لغة قادرة على مخاطبة المجتمع.

لكن المفارقة أن الحملة نفسها قدمت شخصية أخرى من خارج القيادة الثلاثية سرعان ما تحولت إلى أحد أبرز الوجوه السياسية لـحزب الأصالة والمعاصرة، ويتعلق الأمر بفوزي لقجع الذي لم يتم التعاطي مع انضمامه للحزب في الدقيقة التسعين باعتباره مجرد انضمام عادي، وهنا نتذكر أن فاطمة الزهراء المنصوري نفسها وصفته بأنه مكسب سياسي مهم للحزب، فيما قال العربي المحرشي، عضو اللجنة الوطنية للانتخابات، إن التحاقه أعطى التنظيم دفعة وعزز حضوره وتعبئته استعداداً للانتخابات.

والأهم أن لقجع لم يبق مجرد اسم داخل المكتب السياسي، لقد نزل إلى الحملة الانتخابية، واستطاع أن يخوض الحملة بـ صباطه حيث ظهر في سيدي سليمان إلى جانب المنصوري وبنسعيد، وشارك في تجمعات الحزب بمدينة الداخلة وفاس ومراكش والدار البيضاء، ومدن وحواضر مدن شرق المغرب، وانتقل في خطاباته بين قضايا القدرة الشرائية والتشغيل والتقاعد والتمويل والسياسات الحكومية.

وفي مدينة الداخلة، على سبيل المثال، تولى الدفاع عن مقترح رفع الحد الأدنى للأجر إلى 5000 درهم، وربطه بإمكانية التمويل وبالبرنامج الاقتصادي للحزب وفي مراكش دخل مباشرة في الجدل السياسي حول برنامج تغيير المسار ، مدافعاً عن مضمون الوثيقة الانتخابية في مواجهة الانتقادات الموجهة إليها، وفي آخر أيام الحملة بالدار البيضاء تحدث عن الانتقال من الوعود إلى ثقافة الإنجاز ، وعن استعادة الثقة في الفعل السياسي.

وهنا تكمن المفارقة الغريبة والعجيبة التي تستحق التوقف عندها، لقجع لم يكن واحدا من أعضاء القيادة الثلاثية، لكنه أدى خلال أجزاء مهمة من الحملة وظيفة سياسية وتواصلية تتجاوز موقع العضو العادي في المكتب السياسي، لقجع لم يكن مساعدا للقيادة الثلاثية ومكملا لعملها، بل كشف، بل فضح، عجز القيادة الثلاثية وضعف كفاءتها التواصلية وهو ما بدا واضحا في الندوة الصحافية عقب نتائج الانتخابات.

وقد يسأل سائل: وما دليلك؟ نجيب بالسؤال: لماذا احتاج حزب تقوده ثلاث شخصيات إلى بروز شخصية رابعة كي تمنح بعض محطات حملته ثقلا تواصليا وسياسيا ؟

بل إن المشكلة ليست في عدد القادة أصلا، قد يمتلك الحزب ثلاثة أمناء عامين، أو قيادة جماعية من خمسة أشخاص، ومع ذلك يظل عاجزا عن إنتاج الزعامة، لأن الزعامة السياسية، كما هو معلوم من الثقافة السياسية بالضرورة، لا تنتجها الهندسة التنظيمية وحدها، وإنما تتكون من القدرة على جعل الجمهور يربط الحزب بشخصية قادرة على التعبير عن مشروعه والدفاع عنه وتحمل مسؤوليته.

ومن هذه الزاوية يمكن فهم السؤال الذي طرحته نتائج 23 شتنبر، لقد أثبت حزب البام أنه قادر على إنتاج المقاعد، لكن هل أثبت بالوضوح نفسه أنه قادر على إنتاج القيادة؟

الحزب حصل على 97 مقعدا، بينما ظل النقاش مفتوحا حول الشخصية التي يمكن أن تنتقل من موقع القيادة الحزبية إلى مستوى رئاسة الحكومة.

والنص الدستوري يزيد هذا السؤال أهمية، فالفصل 47 يلزم بأن يكون رئيس الحكومة من الحزب المتصدر وعلى أساس نتائج الانتخابات، لكنه لا يحصر الاختيار في رئيس الحزب أو أمينه العام. وهذا يكتسب دلالة إضافية في حالة البام لأنه حزب تقوده أصلا قيادة جماعية لا أمين عام منفرد.

وربما كانت المفارقة الأشد دلالة أن فوزي لقجع، الوافد حديثا نسبيا إلى التنظيم، استطاع خلال الحملة أن يجعل حضوره جزء من النقاش حول صورة الحزب، بينما كان يفترض نظريا أن تكون القيادة الثلاثية هي المصدر الأول لهذه الصورة.

وهذا لا يجعل من فوزي لقجع الزعيم البديل ، ولا يعني أنه الشخصية التي ينبغي اختيارها لرئاسة الحكومة، فذلك حكم سياسي ليس من وظيفة التحليل حسمه، لكنه يكشف شيئا آخر أكثر أهمية، وهو أن أن الحزب المتصدر للانتخابات وجد نفسه بعد الفوز أمام سؤال لم تحسمه صناديق الاقتراع: من يجسد هذا الفوز على المستوى السياسي؟

وهذه هي المعضلة الحقيقية التي قد تواجه الأصالة والمعاصرة، معضلة لا تتعلق بالأصوات، ولا بالمقاعد التي حصل عليها، إنها تتمثل في المسافة الفاصلة بين الحزب الانتخابي والحزب القيادي، بين القدرة على حشد 97 مقعدا، ولو بنسبة 4 بالمائة، والقدرة على إنتاج شخصية تستطيع أن تجعل من هذه المقاعد مشروع قيادة سياسية متماسكة وقوية.

لقد ربح حزب البام معركة الصندوق، لكن الصندوق لا يصنع الزعماء دائما !!

وتظل المهمة الأصعب التي تركتها انتخابات 23 شتنبر أمام الحزب هي أن يثبت أن الآلة التي استطاعت أن تنتج المرتبة الأولى تستطيع أيضا أن تنتج قيادة سياسية بحجم المرتبة الأولى.

بكلمة واحدة يمكن أن نقول: لقد انتصر البام انتخابيا وانهزم سياسيا !!

حزب البام في حاجة إلى قيادة سياسية !!


هذا المحتوى مقدم من جريدة كفى

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من جريدة كفى

منذ 3 ساعات
منذ 3 ساعات
منذ 3 ساعات
منذ ساعة
منذ 6 دقائق
منذ 3 ساعات
جريدة كفى منذ 6 ساعات
أحداث الداخلة منذ 4 ساعات
هسبريس منذ 3 ساعات
هسبريس منذ ساعتين
أشطاري 24 منذ 4 ساعات
آش نيوز منذ 20 ساعة
هسبريس منذ 17 ساعة
موقع طنجة نيوز منذ 5 ساعات