في السياسة، يبدو الوصول إلى السلطة أكثر اللحظات إغراءً، لكنه في الحقيقة بداية الامتحان الفعلي. فالوصول إلى البرلمان يحتاج إلى حملة ناجحة ومرشحين وتحالفات وخطاب مقنع، أما تشكيل حكومة لإدارة الدولة فيتطلب معرفة بمؤسساتها، وتشخيصًا لمشكلاتها، وترتيبًا للأولويات، وإدارة رشيدة للموارد، واختيارًا كفؤًا للقيادات، وبرامج قابلة للتنفيذ والقياس والمحاسبة. لذلك ينبغي أن يكون السؤال الذي يرافق مسيرة التحديث السياسي الأردني: إذا وصل حزب إلى السلطة غدًا، ماذا سيفعل في اليوم التالي، وفي أول مائة يوم، وفي السنة الأولى، وخلال أربع سنوات؟ ما أولوياته وكلفة برنامجه ومصادر تمويله؟ وما المؤسسات التي سيعيد هيكلتها؟ ومن سيقود الوزارات؟ وما مؤشرات أدائه، وكيف سيقيسها، ومن سيحاسبه إذا أخفق؟
هذه الأسئلة ليست تقييمًا لحزب بعينه ولا تشكيكًا في أهمية الحياة الحزبية، بل معيار أكثر نضجًا للحكم على تطورها. فمشروع التحديث السياسي الذي أطلقه جلالة الملك عبدالله الثاني يهدف إلى بناء أحزاب وطنية برامجية قادرة على تشكيل الحكومات وتحمّل مسؤولية إدارة الدولة بكفاءات مؤهلة وبرامج واقعية. وهنا يكمن الفارق بين الحزب الانتخابي والحزب الذي يسعى إلى الحكم: الأول يسأل كيف يحصل على الأصوات، والثاني يسأل ماذا سيفعل بها؛ الأول يصوغ الشعارات، والثاني يحولها إلى سياسات وموازنات ومشروعات؛ والأول يشخّص المشكلات، بينما يقدم الثاني حلولًا قابلة للتطبيق ويتحمل مسؤولية نتائجها. فالنجاح الانتخابي يمنح الشرعية السياسية، لكنه لا يمنح الخبرة الإدارية تلقائيًا، كما أن الأغلبية البرلمانية لا تضمن كفاءة التنفيذ.
ومن هنا تقتضي المرحلة المقبلة الانتقال من تأسيس الأحزاب وتعزيز حضورها الانتخابي إلى اختبار جاهزيتها الفعلية لتشكيل الحكومات. فالدولة تهيئ الإطار القانوني والتشريعي وتفتح المجال للتعددية، لكنها لا تستطيع بناء الأحزاب نيابة عن المجتمع والاحزاب نفسها؛ إذ تتوقف جاهزيتها على مؤسساتها وقياداتها وكفاءات أعضائها وبرامجها واستعدادها المبكر لتحمل المسؤولية.
وفي جوهر الرؤية الملكية للتحديث السياسي دعوة إلى أحزاب تحول الرؤى الوطنية إلى برامج عملية، فلا تكتفي بتأييد التوجهات العامة، ولا تجعل المعارضة موقفًا قائمًا بذاته من دون بدائل. فالأردن يحتاج إلى أحزاب لا تكرر تشخيص مشكلات التعليم والبطالة والمياه والطاقة والزراعة والاستثمار والسياحة وغيرها، بل توضح كيف ستعالجها، وكيف ستقيس نتائج خططها. عندها يصبح الاختلاف الحزبي تنافسًا في الحلول والبدائل، لا في تكرار المشكلات المعروفة.
وهذا يتطلب من كل حزب يطمح إلى تشكيل الحكومة إعداد ما يمكن تسميته "خطة تشغيل مؤسسات الدولة"، تجيب عن أسئلة محددة: أين يقف الأردن اقتصاديًا ومؤسسيًا واجتماعيًا؟ وإلى أين يريد الحزب الوصول به بعد أربع سنوات؟ وما أولوياته الكبرى؟ وما السياسات والمشروعات التي تترجمها؟ وما كلفتها ومصادر تمويلها والجهات المنفذة؟ وما التشريعات والموارد البشرية والجداول الزمنية اللازمة؟ وما المخاطر والبدائل إذا تعثر التنفيذ؟ ومن المسؤول عن كل مؤشر أداء؟ وكيف سيُطلع المواطن على النتائج بشفافية؟ وليست هذه تنظيرات بعيدة عن الواقع؛ فالحكومة الأردنية لديها برنامج تنفيذي للتحديث الاقتصادي للأعوام 2026 - 2029، يضم نحو 392 مشروعًا باستثمارات تقارب عشرة مليارات دينار، ضمن أطر زمنية ونظام متابعة إلكتروني. وإذا كانت إدارة الدولة تتطلب هذا المستوى من التخطيط والمتابعة، فمن المنطقي أن يُسأل الحزب الطامح إلى قيادتها عن برنامجه وكيف سيطور الأداء القائم ويعالج مواطن القصور.
ويبدأ الاختبار العملي من أول مائة يوم للحكومة الحزبية. وليس المطلوب حل المشكلات المزمنة خلالها، بل إثبات معرفة الحكومة من أين تبدأ، وما الذي يمكن إنجازه سريعًا، وما الذي يحتاج إلى تشريعات أو تمويل أو إعادة هيكلة. ويشمل ذلك تحديد القرارات العاجلة والتشريعات ذات الأولوية والمشروعات المتعثرة والملفات الأكثر إلحاحًا، إلى جانب آلية واضحة لإدارة الأزمات وتوزيع المسؤوليات. والأهم أن تتحول هذه المائة يوم إلى عقد أداء معلن بين الحكومة والمواطن: ماذا وعدنا؟ وماذا أنجزنا؟ وما الذي تعثر، ولماذا؟ وكيف سنعالجه؟ فالمساءلة لا ينبغي أن تنتظر نهاية الدورة الحكومية، بل تبدأ منذ اليوم الأول، بما يعزز الثقة ويتيح للمواطن متابعة الوعود والنتائج بدلًا من الانتظار أربع سنوات لمعرفة ما تحقق.
أما اختبار السنة الأولى فيتمثل في الانتقال من النشاط الحكومي إلى الأثر الملموس. فعدد الاجتماعات لا يقيس النجاح، وافتتاح المشروعات لا يثبت وحده جدواها؛ المستشفى يُقاس بجودة الرعاية وزمن الانتظار وكفاءة الإنفاق، والخدمة الرقمية بالوقت والكلفة اللذين توفرهما، ومراكز التدريب بقدرتها على تزويد الشباب بالمهارات المطلوبة وتأهيلهم لفرص عمل حقيقية. لذلك يجب أن تستند كل سياسة إلى خط أساس وهدف محدد ومدة زمنية وتمويل معلوم وجهة مسؤولة ومؤشرات تقيس النتائج والأثر المستدام. وقد أعلنت الحكومة في عام 2026 تحقيق 92 % من مستهدفاتها المرحلية، لكن التحدي يبقى في التمييز بين إنجاز الإجراءات وتحقيق النتائج؛ فالمهم ليس ما أنفقته الحكومة أو نفذته او حققته فحسب، بل ما تغيّر فعلًا في حياة المواطنين.
ثم يأتي اختبار السنوات الأربع، حيث ينبغي التمييز بين ما يمكن إنجازه خلال دورة حكومية وما يحتاج إلى رؤية وطنية ممتدة. فالدفاع والسياسة الخارجية والتعليم والمياه والطاقة والسياحة والزراعة والأمن الغذائي والبنية التحتية والتحول الرقمي وإدارة الدين ورأس المال البشري ملفات لا تبدأ مع كل حكومة ولا تنتهي برحيلها، والدولة لا تبدأ من الصفر كل أربع سنوات. وعلى الأحزاب أن تدرك الفرق بين برنامجها الخاص وثوابت المصلحة الوطنية طويلة الأمد؛ فمن حق الحزب مراجعة السياسات وإعادة ترتيب الأولويات، لكن عليه أن يستند إلى تقييم موضوعي، وأن يوضح أسباب التغيير وكلفته وآثاره، من دون تحويل التنافس السياسي إلى قطيعة مع الذاكرة المؤسسية للدولة أو إهدار لما تحقق.
ولا يمكن بلوغ هذه الجاهزية من دون بناء قدرات حزبية متخصصة تسبق الوصول إلى السلطة. فالحزب يحتاج إلى بنية مهنية أشبه بحكومة ظل، تضم فرقًا متخصصة في الاقتصاد والتعليم والصحة والمياه والطاقة والعمل والاستثمار والزراعة والسياحة والنقل والإدارة العامة والتحول الرقمي والسياسة الخارجية، تدعمها مراكز للسياسات تمتلك الباحثين والبيانات وأدوات التحليل. وبهذه البنية، يستطيع الحزب تقديم.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من صحيفة الغد الأردنية
