بين "واتساب" و"تاسي" .. لماذا نحتاج مستشارا مستقلا؟

لا تعاني السوق المالية السعودية من ضعف في مشاركة الأفراد. على العكس، تبدو قاعدة المستثمرين واسعة ونشطة، وتزداد قدرة الأفراد على الوصول إلى السوق عبر المنصات الرقمية والتطبيقات منخفضة التكلفة. لكن الفجوة الأكثر وضوحا لا تقع عند باب التداول، بل عند باب المشورة. فالأرقام تكشف نقصا واضحا في سوق الاستشارة المالية. فمعدل العاملين المسجلين لدى مؤسسات السوق المالية لا يتجاوز نحو 16 موظفا لكل 100 ألف بالغ بنهاية 2025 وفقا لبيانات هيئة السوق المالية و هيئة الأحصاء، رغم أن هذا الرقم يحتسب جميع العاملين في تلك المؤسسات، لا المستشارين الماليين وحدهم. ومع ذلك، تظل الكثافة المحلية أدنى من أسواق نظيرة تحتسب في المقارنة المستشارين الماليين فقط، إذ يبلغ المعدل نحو 104 مستشارين لكل 100 ألف بالغ في الولايات المتحدة، ونحو 54 مستشارا في المملكة المتحدة. وهذا يعني أن فجوة المشورة المهنية في السوق السعودية قد تكون أوسع مما توحي به المقارنات المباشرة.

هذه الفجوة لا تمثل مسألة خدمية فحسب، ولا تتعلق فقط بحماية المستثمر الفرد من قرار خاطئ. إنها تمس كفاءة السوق نفسها، لأن المستثمر الفرد حين لا يجد مشورة مهنية مستقلة بتكلفة مناسبة، لا يتوقف عن الاستثمار، بل يبحث عن بدائل أخرى. ومن هنا تبدأ القصة سوق يتسع فيه حضور الأفراد، لكن طبقة المشورة التي تساعدهم على تحويل الرغبة في الاستثمار إلى قرار منظم لا تزال محدودة. حين يبحث المستثمر عن بدائل خارج القنوات المنظمة حين لا يجد المستثمر الفرد مستشارا ماليا مستقلا يسهل الوصول إليه وبتكلفة مناسبة، يصبح أمام 3 مسارات غالبا: إما أن يجتهد بنفسه في قراءة الأخبار والنتائج المالية والبيانات والتقارير المالية والاقتصادية، وفق معرفته وقدرته التحليلية، أو أن يلجأ إلى توصيات متداولة في وسائل التواصل الاجتماعي، أو أن يدخل في مجموعات خاصة مثل واتساب وتليجرام، حيث تختلط الآراء بالترويج، والمعلومة بالشائعة، والتحليل بالمصلحة. وفي حالات أكثر خطورة، قد يتحول نقص المشورة المنظمة إلى باب للاحتيال المالي، خصوصا من جهات خارجية خارج الرقابة تستغل وجود طلب حقيقي على التوجيه الاستثماري. كما قد يدفع بعض الأفراد إلى تفويض أشخاص أو كيانات غير مرخصة لإدارة محافظهم، بعيدا عن الرقابة والملاءمة والإفصاح. يظهر التقرير السنوي لهيئة السوق المالية لعام 2025، تلقي الهيئة 196 بلاغا لممارسة أعمال أوراق مالية دون ترخيص بنمو سنوي 1.6%. ولا تقف المخاطر عند مستوى البلاغات العامة. وأعلنت هيئة السوق المالية إدانة عدد من المخالفين لممارستهم نشاط المشورة عبر تطبيق تليجرام مقابل مبالغ مالية. كما سبق أن أعلنت الهيئة حالات إدانة لتقديم توصيات على أسهم مدرجة عبر واتساب وتويتر مقابل مبالغ مالية تودع في حسابات بنكية.

ليست الحجة هنا أن المستثمر الفرد غير قادر على اتخاذ قرار جيد، ولا أن كل تداول مباشر يمثل خطرا. السوق تحتاج إلى الأفراد كما تحتاج إلى المؤسسات. لكن جزءا من الأفراد ليس متخصصا، وبعضهم يدخل السوق بأفق قصير الاجل، أو بمعلومات غير مكتملة، أو بثقة مفرطة في قدرته على قراءة الاتجاهات. هنا تظهر أهمية المستشار المالي المستقل، لا بوصفه بديلا عن مديري الأصول أو عن قرار المستثمر، بل بوصفه حلقة مفقودة بينهما. فهو لا يبدأ من المنتج، بل من العميل. ولا يسأل أولا عن المنتج الذي يجب تسويقه، بل عن الأداة التي تلائم هذا المستثمر، من منتجات مالية مختلفة تتوافق مع متطلباته. من قرار الفرد إلى كفاءة التسعير وتكلفة رأس المال وجود هذا النوع من المشورة لا يحسن قرار الفرد فقط، بل يمكن أن ينعكس على كفاءة السوق. فعندما تتحسن جودة القرارات الاستثمارية، يصبح التسعير أقرب إلى المعلومات والأساسيات، وأقل انقيادا للموجات القصيرة أو التوصيات غير المنضبطة. وكلما كانت الأسعار أكثر تعبيرا عن قيمة الشركات ومخاطرها، تحسنت قدرة السوق على تخصيص رأس المال. هذه النقطة جوهرية. فالسوق المالية ليست منصة لتبادل الأسهم فقط، بل آلية لتوجيه المدخرات إلى الشركات الأكثر قدرة على استخدام رأس المال. وإذا كانت الأسعار تعكس القيمة بصورة أفضل، فإن النقد يتجه إلى فرص أكثر إنتاجية. أما سوء التسعير، سواء بالمبالغة أو التخفيض، فقد يرفع تكلفة رأس المال أو يوجه التمويل إلى غير موضعه الأمثل. فالمبالغة في تسعير الأسهم لا تبقى أثرا محصورا في شاشة التداول. إذا اعتادت السوق على تقييمات لا تعكس المخاطر بصورة كافية، فإن ذلك قد ينعكس على تكلفة رأس المال، وعلى طريقة تسعير الشركات عند الطرح الأولي، وعلى شهية المستثمرين تجاه الإصدارات الجديدة. وفي المقابل، إذا كان التسعير أكثر واقعية، فإن السوق تصبح أكثر قدرة على تمويل الشركات الجيدة بسعر عادل، وتجنب الشركات والمستثمرين آثار المبالغة أو الإحجام. وتصبح هذه المسألة أكثر حساسية عند الطروحات الأولية، وهي أحد الملفات التي نشطت تنظيميا في الفترة الأخيرة. فتسعير الطرح لا يحدث في فراغ، بل يتأثر بمكررات السوق، وشهية المستثمرين، وجودة الطلب إلى جانب البيانات المالية. فإذا كانت السوق الثانوية تعاني مبالغة في التسعير أو تشوهات في قراءة المخاطر، فقد تنتقل هذه الإشارات إلى تسعير الشركات الجديدة. والنتيجة قد تكون طرحا بسعر لا يجذب طلبا كافيا، أو إدراجا يتبعه تذبذب حاد، أو أداء ضعيف يضر بثقة المستثمرين في الطروحات التالية. في المقابل، وجود سوق أكثر انضباطا في التسعير يساعد على بناء نطاقات سعرية أكثر واقعية، ويحد من ضعف الإقبال من جهة، ومن المبالغة في التقييم من جهة أخرى. وهنا لا يكون المستشار المالي المستقل طرفا هامشيا في المنظومة، بل جزءا من البنية التي تجعل الطلب الاستثماري أكثر جودة. فكلما تحسنت جودة الطلب، تحسنت قدرة السوق على اكتشاف السعر. وكلما تحسن اكتشاف السعر، تحسنت قدرة السوق على تخصيص رأس المال. استقلال المشورة .. يطور المنتجات المالية للمستشار المستقل أثر آخر لا يقل أهمية، تحسين المنتجات المالية نفسها. ففي غياب قناة مشورة.....

لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


هذا المحتوى مقدم من صحيفة الاقتصادية

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من صحيفة الاقتصادية

منذ 12 دقيقة
منذ ساعتين
منذ 9 ساعات
منذ 32 دقيقة
منذ ساعتين
منذ ساعتين
قناة CNBC عربية منذ 7 ساعات
صحيفة الاقتصادية منذ 17 ساعة
الشرق بلومبرغ منذ ساعة
قناة CNBC عربية منذ 20 ساعة
صحيفة الاقتصادية منذ 21 ساعة
قناة CNBC عربية منذ 37 دقيقة
قناة CNBC عربية منذ 19 ساعة
قناة CNBC عربية منذ 19 ساعة