تخليد الذكرى الـ71 لانطلاق العمليات الأولى لجيش التحرير بالأقاليم الشمالية للمملكة

وقد شكل حدث انطلاق العمليات الأولى لجيش التحرير بشمال المملكة محطة تاريخية طافحة بقيم الصمود والتضحية والفداء، وامتدادا طبيعيا لحركة المقاومة المسلحة التي خاضها المغاربة حينما انتهكت سلطات الاحتلال الأجنبي حرمة المغرب، واستفزت الشعور الوطني لأبنائه بنفي أب الأمة وبطل التحرير والاستقلال جلالة المغفور له محمد الخامس ورفيقه في الكفاح والمنفى جلالة المغفور له الحسن الثاني والأسرة الملكية الشريفة إلى كورسيكا ثم إلى مدغشقر.

كما جسد هذا الحدث إيذانا بانطـلاق الشرارة الأولى لحركـة المقاومـة والفداء حيث سارع أبناء إيموزار مرموشة وتازة والحسيمة والناظور إلى تنظيم جيش التحرير لضرب مصالح ومنشآت المستعمر، وتطوع المقاومون المتشبعون بروح الوطنية الصادقة والحماس الفياض والمتقد فداء لوطنهم وملكهم، وخاضوا غمار معاركهم البطولية المقدسة بشهامة وشجاعة ونكران ذات، وأبلوا البلاء الحسن في مواجهة ضارية للمستعمر وزعزعة أركانه وإنهاء وجوده.

فمنذ أواخر سنة 1954، بادر المجاهدون للحصول على السلاح وتأسيس خلايا وتشكيلات وفرق لجيش التحرير، وتم فتح مراكز للتدريب على استخدام السلاح وحرب العصابات والتخطيط لتنظيم الهجومات على ثكنات المستعمر، جاعلين من المنطقة الخليفية بشمال الوطن التي كانت تحت الحماية الإسبانية، فضاء للتداريب العسكرية ولإعداد المخططات الاستراتيجية. والتحقت العناصر القيادية لحركة المقاومة آنذاك بالمناطق الشمالية من الوطن للإشراف على تأطير جيش التحرير ليضطلع بمهام التحرير والانعتاق من براثن الاحتلال الأجنبي والانتصار لعودة بطل التحرير والاستقلال والمقاوم الأول جلالة المغفور له محمد الخامس قدس الله ثراه من المنفى إلى أرض الوطن.

وفي شهر مارس من سنة 1955، توجهت الباخرة "دينا" إلى رصيف شاطئ رأس الماء، شرق مدينة الناظور، قادمة من المشرق العربي محملة بالأسلحة، وهي العملية التي شكلت منعطفا حاسما في دعم انطلاقة جيش التحرير بالشمال، وتم إفراغ حمولة الباخرة على أيدي أبطال جيش التحرير ليلا وفي جنح الظلام وقبل طلوع الفجر، وبما يجب من الحيطة والحذر، مستعملين قطيع الأغنام لإخفاء آثار أقدام المجاهدين حتى لا تكتشف السلطات الاستعمارية أمر عملية إنزال السلاح، ومدت الحبال من الباخرة إلى الشاطئ، وشرع الأبطال في الصعود إليها لنقل الأسلحة حيث انتهت عملية إفراغها من الأسلحة قبل الشروق.

وتواصل الإعداد والتدريب والتخطيط وتمرير السلاح عبر ملوية إلى ايموزار مرموشة بإقليم بولمان والى مراكز جيش التحرير، بإقليم تازة إلى أن حل اليوم الموعود، ليلة فاتح أكتوبر 1955، حيث انطلقت عمليات جيش التحرير مستهدفة مراكز جيش الاحتلال الفرنسي وثكناته بايموزار مرموشة، وبعده في اليوم الموالي 2 أكتوبر1955، لتصل العمليات الهجومية إلى مراكز بورد واكنول وتيزي وسلي بإقليم تازة ومركز سيدي بوزينب بإقليم الحسيمة.

واتسعت رقعة المعارك البطولية في مناطق الشمال عموما وبإقليم تازة بوجه خاص، لتشمل العديد من الدواوير والمداشر التي اقترن اسمها بالاشتباكات والهجومات كما كان الأمر بالنسبة ل"بين الصفوف وجبل القرع وبوسكور وتيزي ودارن"، وكلها معارك تكبد فيها المستعمر خسائر كبيرة في الأرواح والعتاد على أيدي المجاهدين الذين توالت انتصاراتهم وانضمت إليهم أعداد كبيرة من الجنود المغاربة الذين كانوا مجندين آنذاك في الجيش الفرنسي، فارين بسلاحهم وبنادقهم ورشاشاتهم، معززين صفوف المجاهدين من أعضاء جيش التحرير، فشكلت هذه الثورة العارمة ضغطا سياسيا على السلطات الاستعمارية، جعلها تذعن لموقف المغفور له محمد الخامس طيب الله ثراه تجاه الحكومة الفرنسية التي ما كان لها إلا أن ترضخ لإرادة العرش والشعب وتضطر لفتح الحوار وإجراء المفاوضات من اجل استقلال البلاد.

ويسجل التاريخ انه بعد انصرام 45 يوما على انتفاضة أكتوبر 1955 المجيدة، كانت العودة المظفرة لبطل التحرير والاستقلال والمقاوم الأول المغفور له محمد الخامس، ورفيقه في الكفاح والمنفى المغفور له الحسن الثاني والأسرة الملكية الشريفة إلى أرض الوطن يوم 16 نونبر 1955، ليزف إلى شعبه الوفي في أول خطاب له في يوم العودة الميمونة، بشرى بزوغ فجر الحرية والاستقلال وتوحيد شمال المملكة وجنوبها ويقول قوله المأثور: "رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر".

وقـد خص الملك فيمـا بعد، مدينـة تازة بزيارتـه التاريخية يوم 14 يوليوز 1956، والناظور يوم 15 يوليوز 1956، لتفقد مراكز جيش التحرير، تقديرا من جلالته لتضحيات المجاهدين وصلة الرحم معهم والترحم على أرواح شهداء معارك وملاحم جيش التحرير بشمال المملكة.

ومناسبة تخليد الذكرى 71 لانطلاق العمليات الأولى لجيش التحرير بالأقاليم الشمالية للمملكة، توحي للأجيال الجديدة والمتعاقبة بواجب التأمل والتدبر واستخلاص الدروس والعبر والعظات لتقوية الروح الوطنية الحقة وشمائل المواطنة الإيجابية في وجدانها وأذهانها لمواجهة التحديات وكسب رهانات الحاضر والمستقبل.

وإننا اليوم، ونحن نتابع مسيرة التحديث والبناء في وطننا العزيز، ل نستلهم من النطق الملكي السامي خارطة الطريق ونبراس العمل، إذ يذكرنا جلالته بضرورة التحلي بالثقة والتفاؤل لمواصلة المجهود التنموي، حيث قال حفظه الله، في خطابه السامي بمناسبة تخليد الذكرى 27 لعيد العرش المجيد: "إننا نعيش اليوم، مرحلة فاصلة في المسار التنموي ببلادنا، حيث يجب أن تسود روح الثقة والتفاؤل، على خطابات اليأس والإحباط.

وأسرة الحركة الوطنية والمقاومة وجيش التحرير وهي تخلد ككل سنة هذه الذكرى المجيدة، لتجدد التأكيد على تعبئتها المستمرة ويقظتها الموصولة وتجندها الدائم إلى جانب سائر فئات وأطياف المجتمع المغربي من أجل صيانة الوحدة الترابية وتثبيت المكاسب الوطنية، مثمنة عاليا ما ورد في الخطاب السامي للملك محمد السادس ليوم الجمعة 31 أكتوبر 2025، عقب صدور القرار الأممي رقم 2797 القاضي باعتماد مبادرة الحكم الذاتي للأقاليم الصحراوية المسترجعة تحت السيادة المغربية كأساس وحيد ومرجع أوحد لكل تفاوض حول مستقبلها؛ حيث قال الملك مخاطبا الشعب المغربي ومن خلاله العالم أجمع: "إننا نعيش مرحلة فاصلة، ومنعطفا حاسما، في تاريخ المغرب الحديث. فهناك ما قبل 31 أكتوبر 2025، وهناك ما بعده. لقد حان وقت المغرب الموحد، من طنجة إلى الكويرة، الذي لن يتطاول أحد على حقوقه وعلى حدوده التاريخية".

وبهذه المناسبة الغراء، سطرت المندوبية السامية لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير برنامجا للأنشطة والفعاليات في الفترة الممتدة من يوم الخميس 1 أكتوبر 2026 إلى يوم الأحد 04 منه، بكل من أقاليم بولمان وتازة والحسيمة والناظور، يتضمن مهرجانات خطابية ولقاءات تواصلية وفكرية، بحضور السلطات الإقليمية والمحلية والمنتخبين ونشطاء المجتمع المدني والعمل الجمعوي والمنتمين لأسرة المقاومة وجيش التحرير، تلقى خلالها كلمات وشهادات للإشادة بأمجاد وبطولات هذه الملحمة الخالدة، ولإبراز مكانتها المتميزة في تاريخنا الوطني الطافح بالنضالات والمكرمات في سبيل الحرية والاستقلال والسيادة الوطنية والترابية.

كما سيتم تكريم صفوة من قدماء المقاومين وأعضاء وجيش التحرير برورا وعرفانا بما أسدوه للدين والوطن والعرش من جليل الأعمال وعظيم التضحيات، فضلا عن توزيع إعانات مالية وإسعافات اجتماعية على مجموعة من المنتمين لهذه الأسرة المجاهدة الجديرة بموصول العناية والرعاية.


هذا المحتوى مقدم من جريدة كفى

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من جريدة كفى

منذ 4 ساعات
منذ 4 ساعات
منذ 5 ساعات
منذ 4 ساعات
منذ 4 ساعات
منذ 5 ساعات
Le12.ma منذ 10 ساعات
هسبريس منذ 9 ساعات
هسبريس منذ 10 ساعات
هسبريس منذ 5 ساعات
هسبريس منذ 3 ساعات
هسبريس منذ 7 ساعات
هسبريس منذ 12 ساعة
موقع بالواضح منذ 4 ساعات