كاتب هذه الرواية التي سوف تصبح فيلما عالميا، هو روبرت جيمس والر (Robert James Waller) الذي كان أستاذا جامعيا يدرس إدارة الأعمال والموسيقى في جامعة شمال ولاية آيوا، ولم يكن كاتبا محترفا للروايات، والغريب أنه كتب الرواية في 11 يوما فقط عام 1991 كهدية وإهداء شخصي لأصدقائه وأسرته دون تخطيط لنشرها على نطاق واسع، إلا أن الأغرب هو أنه عندما نُشرت الرواية عام 1992، تحولت إلى ظاهرة أدبية عالمية؛ فقد ظلت في قائمة New York Times للكتب الأكثر مبيعا لأكثر من 3 سنوات (164 أسبوعا)، وباعت أكثر من 12 مليون نسخة وتُرجمت إلى أكثر من 35 لغة، مما جعل روبرت جيمس والر بين عشية وضحاها أحد أشهر الروائيين في تسعينات القرن الماضي، وهي شيمة الأعمال العظيمة.. تبدأ صغيرة ثم سرعان ما يتلقفها الذوق الراقي والرفيع فيجعل منها أحاديث وشهرة الإبداع العظيم، أما وأن يتم اختيارها كعمل سينمائي يمثله كبار النجوم والمخرجون والمنتجون، فتلك قمة النجاح وذروة الشهرة.
ولما تكون للعنوان المختار للرواية أو القصة رمزية وتاريخ وحقيقة وطبيعة خلابة، فكأنك جلّدت الكتاب بجلد نادر وملفت للنظر، إذ سرعان ما يستقر لونه في الفكر الذي يرسل الإشارة إلى عين القارئ والمتفرج، فيلتقي جمال الطبيعة مع جمال المحتوى والنقاش الفكري والأدبي والنفساني، فتنقلب الرواية وأبطالها إلى أساطير.
فالعنوان مستوحى من تلك الجسور الخشبية المغطاة (Covered Bridges) في القرن التاسع عشر، لأسباب هندسية وعملية بالغة الأهمية غايتها كانت حماية الهيكل الخشبي من التعفن، حيث كانت أخشاب الدعم والروابط الهيكلية للجسر تكلف مبالغ باهظة وتتطلب جهدا هندسيا كبيرا.
ومعلوم أن الجسور الخشبية المكشوفة لا تتجاوز أعمارها عادة 10 إلى 15 عاما بسبب تعرض الأخشاب المستمر للأمطار، والثلوج، وأشعة الشمس التي تسبب تعفن الخشب وتشققه، أما الجسور المغطاة فيحمي فيها السقف والجدران الخارجية الهيكل الداخلي والأرضية من العوامل الجوية، مما يطيل عمر الجسر لأكثر من 100 عام بأقل قدر من الصيانة.
كما كان الغرض منها تهدئة الخيول والماشية؛ فلما كانت وسائل النقل في أمريكا وغيرها من الدول في القرن التاسع عشر، تعتمد عليها، فقد كانت هذه الحيوانات عند عبور جسر مفتوح فوق نهر هادر، تصاب بالهلع من رؤية المياه الجارية وتحرك الأخشاب وتحتها الهاوية، مما جعل جدران الجسر والسقف الخشبي الداخل يبدو لها وكأنه حظيرة دافئة ومغلقة (Barn)، مما يسهل عبورها بهدوء ودون مقاومة، وهي فكرة ابتدعها مهندسون وفلاحو ذلك الوقت ونجحت في تأمين هادئ للتنقل البري، قبل ظهور القطارات والسيارات والشاحنات وغير ذلك من وسائل النقل التي غزت العالم في وقتنا الحاضر، خصوصا في ولاية مثل آيوا حيث تتساقط الثلوج بكثافة، إذ كان السقف يمنع تراكم الثلج والجليد على أرضية الجسر الخشبية، مما يحمي الخشب من حركات التجمد والذوبان المتكررة ويحافظ بالتالي على سلامة المارة والعربات من الانزلاق، إلى جانب كون هذه الجسور تُستغل كملجأ مؤقت للمسافرين بعربات الخيول للاحتماء من العواصف والأمطار المفاجئة أثناء التنقل بين البلدات الريفية.
لذلك جسدت رواية وفيلم Madison County The Bridges of (على جسر ماديسون) مقاربة بين إطار القصة والكشف التاريخي (مذكرات فرانشيسكا بطلة القصة والفيلم وآلة التصوير للبطل)، واستندت بنية السرد في الرواية والفيلم إلى تقنية الإطار الاسترجاعي (Framing Device)، حيث تبدأ الأحداث عام 1989 بعد وفاة الأم فرانشيسكا جونسون، وحين يعود ابنها مايكل وابنتها كارولين إلى منزل الأسرة في أرياف مقاطعة ماديسون بولاية آيوا لتصفية التركة وتنفيذ وصيتها، يفاجأ الأبناء بطلب أمهم الغريب في الوصية: أن يُحرق جثمانها ويُذرى رمادها عند جسر روزمان الخشبي، وليس بجوار قبر زوجها والدهما الراحل ريتشارد .
وأثناء تنقيبهما في أغراضها الخاصة، يعثر الأبناء على تركة عجيبة عبارة عن صندوق خشبي مغلق بمفتاح، ويجدون داخله ثلاثة دفاتر مذكرات سميكة تسرد فيها الأم بالتفصيل الدقيق أيامها الأربعة مع المصور روبرت كينكيد صيف عام 1965، وآلتي تصوير قديمتين من نوع نيكون وعدسات خاصة، وقلادة فضية حُفر عليها اسم فرانشيسكا ، كتاب مصور بعنوان: Four Days صادر عن مؤسسة ناتشونال جيوغرافيك ، ثم رسالة وداع خاصة وجهتها الأم لأبنائها تشرح فيها سر هذا الحصن العاطفي.
وعندما يستغرق الأبناء في قراءة المذكرات والرسائل، ينتقل الفيلم بين صوت فرانشيسكا وصوت روبرت كينكيد ، ليُكشف النقاب عن الحوارات والرسائل التي غيرت نظرتهما لأمهما كليا، إذ تقول فرانشيسكا في رسالتها التوضيحية التي تركتها مع المذكرات: عزيزي مايكل، عزيزتي كارولين؛ إن ما ستعدانه خيانة كان بالنسبة لي الأمل الوحيد للبقاء على قيد الحياة دون أن تفقد روحي معناها. لقد أعطيتُ عائلتي حياتي بأكملها، وأعطيتُ ريتشارد وفائي ورعايتي، لكنني أعطيتُ روبرت كينكيد (عشيقها) ما تبقى مني. لم أكن أريد أن أدمر عائلتنا، ولم أكن لأتخلى عن مسؤوليتي تجاهكم، لكن روبرت أتاح لي أن أعرف من أكون حقا.. أرجو أن تفهما أن حب أمكما لهذا الرجل لم ينقص شيئا من حبها لكما، بل جعلها تتنفس، وحين أموت، أتيحوا لجسدي أن ينضم إلى الرماد الذي يُحلق فوق الجسر الذي التقيت فيه بروحي .
هذا المحتوى مقدم من صحيفة الأسبوع الصحفي
