فاطمة الزهراء المنصوري وولاية المرأة.. قراءة أصولية مقاصدية في فقه الدولة الحديثة

على "خراب" ولايتها كما ذهب الى ذلك الشيخ قاسم اكحيلات في تدوينته يوم أمس ؛ لأن القرآن لم يجعل جنسها محور المدح أو الذم، وإنما ركز على موقفها من الشورى والتدبير والاستجابة للحق. وهذه هي القراءة الأصولية التي تخرج من أسر الجدل الأيديولوجي إلى دلالة النص القرآني نفسه.

أما من يستشهد بكتاب الأحكام السلطانية لأبي الحسن الماوردي، فلا شك أنه من الكتب المهمة في تاريخ الفكر السياسي والفقه الإداري الإسلامي، وقد نظم فيه صاحبه أبواب الإمامة والوزارة والإمارة والقضاء وغيرها. غير أن قيمة الكتاب العلمية لا تعني أن كل ما فيه يمثل نظاماً سياسياً ملزماً لكل دولة إلى قيام الساعة. فالماوردي فقيه عاش في القرن الخامس الهجري، وتناول دولة الخلافة والولايات التابعة لها، في سياق تاريخي ومؤسساتي محدد. والدراسات المعاصرة نفسها تنبه إلى أن كتابه كان محاولة لتنظيم النظرية السياسية الإسلامية في ضوء الدولة التي عاصرها ومشكلاتها الواقعية .

ومن الخطأ المنهجي إذن تحويل كتاب فقهي تاريخي إلى "دستور أبدي" للدولة الحديثة. فالماوردي نفسه كان يمارس اجتهاداً في واقعه، ومن الوفاء لمنهجه أن نمارس نحن كذلك الاجتهاد في واقعنا، لا أن نجمد اجتهاده ثم نسمي الجمود وفاءً للتراث.

وفي الدولة الوطنية الحديثة، لم تعد الولاية السياسية مؤسسة واحدة يحتكرها شخص واحد، بل أصبحت شبكة من المؤسسات والاختصاصات والقوانين. وفي المغرب مثلاً، ينص الفصل 47 من الدستور على تعيين رئيس الحكومة من الحزب السياسي الذي تصدر انتخابات مجلس النواب، وعلى أساس نتائجها، مع تنظيم العلاقة بين رئيس الحكومة والملك ومجلس الوزراء ضمن البناء الدستوري.

ومن هنا فإن السؤال الفقهي المعاصر الذي يجب ان يطرح على كل مسؤول تم تعيينه ليس هل هو رجل أو امرأة؟ وإنما هل تتوفر في الشخص المعين شروط الكفاءة والأمانة والقدرة على تحمل المسؤولية، وهل يمارس اختصاصه داخل نظام يحقق العدل والمصلحة العامة للمواطنين والمواطنات ؟ وهذه المعاني أقرب إلى روح الشريعة من جعل الذكورة وحدها مناطاً عاماً لكل وظيفة سياسية.

فالقرآن يقرر قاعدة الأمانة: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾. ومناط الاختيار هنا هو أداء الأمانة والعدل. كما أن قاعدة "تصرف الإمام على الرعية منوط بالمصلحة" تكشف جوهر السياسة الشرعية؛ بحيث السلطة ليست امتيازاً جنسياً، وإنما أمانة ومسؤولية وتحقيق للمصلحة. ولا يعني هذا إسقاط الخلاف الفقهي القديم أو إنكار أن جمهوراً من الفقهاء اشترط الذكورة في الإمامة العظمى، وإنما يعني وضع ذلك الخلاف في موضعه الصحيح، وعدم توسيعه بلا دليل ليشمل كل أشكال المشاركة السياسية والإدارية المعاصرة.

كما أن قول بعض الدعاة إن مجرد تعيين امرأة في منصب سياسي يعني مخالفة صريحة للشريعة يحتاج إلى مزيد من التحرير؛ لأن الحكم على المنصب يتوقف على حقيقته واختصاصاته، لا على اسمه فقط. فما كان من خصائص الإمامة العظمى لا يلزم أن يكون حكمه حكم الوزارة أو الإدارة أو القضاء أو التمثيل السياسي أو رئاسة الحكومة في الدولة الحديثة.

إن الخطر الحقيقي على الخطاب الديني اليوم ليس في اختلاف الفقهاء، وإنما في اختزال التراث الفقهي في رأي واحد، ثم تقديمه للناس باعتباره الإسلام كله، مع أن تاريخ الفقه نفسه يثبت تعدد الاجتهادات وتنوعها. كما أن من مقاصد الشريعة رفع الحرج، وتحقيق العدل، وحفظ النظام العام، وتحقيق مصالح الناس، وتنزيل الأحكام على الوقائع وفق أوصافها الحقيقية.

ولذلك فإن من حق الداعية أن يناقش الحديث ودلالته، وأن يعرض القول الفقهي الذي يمنع المرأة من بعض الولايات، لكن ليس من المنهج العلمي أن تتحول المسألة الخلافية إلى أداة لتجريم المخالف، أو إلى حكم قطعي على دولة ومؤسساتها لمجرد أن المرأة أسند إليها منصب سياسي.

إن التجديد الفقهي الرشيد لا يعني إلغاء النصوص ولا تذويب الأحكام، وإنما يعني الانتقال من فقه الأشكال التاريخية إلى فقه المقاصد والوظائف والواقع. فالمرأة التي تتولى وزارة أو إدارة أو قضاء في دولة حديثة لا يمكن قياس وظيفتها بصورة آلية على خليفة يجمع السلطات الدينية والسياسية والعسكرية والقضائية في شخصه.

ومن ثم، فإن النقاش حول تعيين فاطمة الزهراء المنصوري ينبغي أن يكون مناسبة لإعادة بناء الوعي الفقهي بالسياسة الشرعية، لا مناسبة لتبادل الاتهامات. فمن أراد الاستدلال بالحديث فعليه أن يحرر دلالته ومناطه، ومن أراد الاعتراض عليه أن يبين وجه ذلك أصولياً، ومن أراد الاحتجاج بالماوردي فعليه أن يقرأ الماوردي في سياقه التاريخي والمؤسساتي. أما نقل نصوص القرون الماضية وإسقاطها مباشرة على الدولة الوطنية الحديثة، دون تكييف ولا تحقيق للمناط، فهو أقرب إلى النقل الحرفي منه إلى الاجتهاد الفقهي.

وختاما، ان احترام النص لا يعني تجميد فهمه، واحترام التراث لا يعني تحويل اجتهادات الفقهاء إلى نصوص مقدسة، والتمسك بالمذهب لا يعني إلغاء مقاصد الشريعة. لقد كان أئمة الفقه الكبار أبناء واقعهم، اجتهدوا في ضوء نصوصهم ومقاصدهم وأحوال مجتمعاتهم؛ ومن الوفاء لهم أن نفعل الشيء نفسه. فالشريعة جاءت لتحقيق العدل والمصلحة وصيانة الأمانة، وهذه المعاني لا تتغير بتغير جنس المسؤول، وإنما تتعلق بكفاءته وأمانته وقدرته على القيام بما أُسند إليه من مسؤولية.


هذا المحتوى مقدم من جريدة كفى

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من جريدة كفى

منذ 5 ساعات
منذ 3 ساعات
منذ 3 ساعات
منذ 4 ساعات
منذ 4 ساعات
منذ 5 ساعات
هسبريس منذ 7 ساعات
جريدة كفى منذ 6 ساعات
هسبريس منذ 10 ساعات
2M.ma منذ 7 ساعات
هسبريس منذ 10 ساعات
هسبريس منذ 3 ساعات
Le12.ma منذ 11 ساعة
هسبريس منذ 13 ساعة