من معتقد «طبيب الحماق» إلى التربية النفسية في المدارس
“6.5 ملايين مغربي يعانون من اضطراب نفسي”، رقمٌ أثار كل مظاهر الاستياء والأسف، بل وحتّى السُّخرية، إذ علَّق البعض على مواقع التّواصل الاجتماعي: “أنا واحدٌ منهم”، وقال آخرون إن العدد الحقيقي أكبر بكثير.
ولعل تلك التّعاليق السّاخرة تُوحي بشيءٍ يَستحِق الوقوف عِنده، ألا وهو الوعي المُتزايد لدى المغاربة بأن المُعاناة النّفسية جزء من حياتنا اليوميّة، حتّى ونحن نحاول إضفاء طابع الفكاهة على الوضع.
ووجب هنا التّمييز بين المرض النّفسي وبين الضّيق النّفسي الذي قد يمر به أي إنسان، فليس كلّ شخص يشعر بالحزن أو القلق مصابًا بمرض نفسي، إذ إن هناك من يمر بمرحلة صعبة ويتمكّن من تجاوزها من دون تدخّل أو مساعدة خارجيين، وهناك من يعيش أعراضًا مستمرّة للقلق أو الاكتئاب، وهناك حالات تحتاج بالفعل إلى متابعة وعلاج موجًّه للسيطرة على أعراض الاضطراب.
وهنا يصبح السّؤال الحقيقي: ماذا ننتظر لكي نُعلّم الطّفل أو المراهق أساسيّات الصّحة النّفسية؟
التربية النفسية في المدرسة: لماذا يجب أن تبدأ الوقاية منذ الطفولة؟
نشأت أجيال كثيرة بمعتقد مفاده أن من يلجأ إلى الطّبيب النفسي فهو “مجنون”، ورغم التّغيير الذي يعرفه المجتمع حاليا، فإن آثار تلك الوصمة ما تزال حاضرة، إذ إن الحديث عن الاكتئاب أو القلق أو الإرهاق النّفسي قد يُقابل أحيانًا بالسّخرية، أو بالتّقليل من حجم المعاناة.
وقد يسمع الشّخص الذي يُعبّر عن معاناته عبارات من قبيل: “مالك شنو خاصك شبعتي خبز؟”، أو “صلي صلاتك وقرا القرآن وغتولي بيخير”! وفي الواقع، لا يوجد تعارض بين الحالة الرّوحية والصّحة النّفسية، بل ويمكن للدّين والرّوحانيات أن يُمثلا مصدر دعم مهم للإنسان في جل الحالات، ولكن المشكلة تبدأ عندما تتحوّل النّصيحة الدّينية إلى بديل عن العلاج بالنسبة إلى شخص يحتاج فعلًا إلى مساعدة الجهات المُختَصَّة، فلا أحد سيطلب من مريض السّكري أن يستغني عن الطّبيب والاكتفاء بالدعاء، وبذلك فإن الصّحة النّفسية تقبل المنطق عينه.
أما الوصمة فلا تجعل الاضطراب يختفي، ولكن قد تجعل العلاج مُعَقَّدا عندما يتأخّر “صاحب المعاناة” في طلب المساعدة.
لماذا المدرسة تحديدًا؟
الوقاية لا تبدأ داخل عيادة الطّبيب النّفسي، بل قبل الوصول إليها، فالطّفل يقضي جزءًا كبيرًا من وقته في المدرسة، وفيها يتعلّم القراءة والرّيّاضيات والتّاريخ والعلوم، لكنه يتعلّم أيضًا، بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، كيف ينظر إلى نفسه، وكيف يتعامل مع الآخرين، وكيف يواجه الخوف والفشل والغضب والرّفض.
ولهذا أصبحت المؤسّسات الدّولية تُولي اهتمامًا متزايدًا لما يسمى بالتّعلم الاجتماعي والعاطفي، أي أنها تعلّم الطفل التعرّف إلى مشاعره، وإدارتها، وبناء علاقات سليمة مع الآخرين، واتخاذ قرارات واعية، ومواجهة التحديات والمواقف الصعبة بصلابة نفسية.
وفي سبتمبر 2026، أصدرت منظمة الصحة العالمية واليونيسف واليونسكو دليلًا مُوجّهًا للمُدرِّسين يؤكد دور المدرسة في التّعرُّف المبكّر إلى علامات الضّيق النّفسي وتسهيل وصول التّلميذ إلى المساعدة المناسِبة، مع التّأكيد في الوقت نفسِه على أن المُدرِّس ليس طبيبًا نفسيًا ولا يُطلب منه تشخيص الاضطرابات أو علاجها.
التربية النفسية، على غرار التّربية الصحية والجنسية
الفكرة تُشبه إلى حدٍّ بعيد نماذج التّربية الصّحية والجنسيّة السّليمة، فعندما يتعرّف الطّفل إلى جسده وحدوده الشّخصية، وأنّ من حقّه رفض اللّمسات غير المُناسبة وطلب المساعدة عندما يتجاوز شخص آخر تلك الحدود، فنحن نمنحه أدوات لحماية نفسه من التحرّش والاستغلال الجنسيين.
وبالمنطق ذاته، فإن مناهج التّربية النّفسية داخل المؤسّسات التّعليمية ستُتيح للطّفل أو المراهق الأدوات اللازمة للتّعبير عن مشاعره والتعرّف إلى التغيرات غير الاعتيادية في حالته النفسية وسُبل طلب المساعدة عند الحاجة.
والفرق قد يكون هائلًا بين شاب يَمر بأزمة ولا يفهم ما يجري بداخله ويبحث عن الحلول بنفسه، وشاب آخر يعرف أن ما يشعر به معروفٌ وله تسمية طبية أو علمية، وأن هناك أشخاصًا كرّسوا سنوات طِوال لدراسة النّفس البشريّة وسُبل علاجها عندما تعْتَل.
التربية النفسية تبدأ بتعليم الطفل فهم نفسه والتعبير عن مشاعره
لا نتحدث هنا عن تحويل الأقسام الدّراسية إلى عيادات للعلاج النفسي، بل عن أشياء أبسط بكثير، ولكن أثرها قد يغير حياة طفل بأكملها. وهنا الحديث عن تعليم الطفل أن يقول: “أنا غاضب”، بدل أن يضرب من أغضبه، وأن يستطيع قول: “أنا خائف”، بدل أن يُخفي خوفه لكي لا يظهر ضعيفا أمام أقرانه لأنه تعلَّم أن الخوف علامة جُبنٍ ونقص.
وأن يَعرف أن الحزن شعورٌ طبيعي، لكن استمرار الحزن بصورة شديدة ولفترة طويلة قد يكون إشارة إلى ضرورة الحديث مع شخص بالغ أو متخصص، وأن يتعلّم أن الفشل في امتحان ما لا يعني أنه إنسان أو تلميذ فاشل، وأن يعرف أنه ليس مُجبَرًا على تحمّل التّنمر في صمت، وأن يعي، قبل كل شيء، أن طلب المساعدة ليس عيبًا، بل علامة على الرغبة في تطوير الصّلابة النفسية ومنها تطوير المهارات الحياتية.
ويمكن للمدرسة أن تُساعد في ذلك من خلال الأنشطة الفنية والتعبيرية كالرّسم، والمسرح، والموسيقى، والرّيّاضة، وحلقات النّقاش والمناظرات، وتمارين حلّ النزاعات، وتعليم الأطفال أنواع المشاعر وأسمائها وطرق التعبير عنها بصورة سليمة، وإبداعية وآمنة.
المراهق يحتاج إلى أكثر من الحديث عن المشاعر
عندما يصل الطفل إلى مرحلة المراهقة، لا يكفي أن نقول له: “عبّر عن مشاعرك”، إذ يجب حينها أن ينتقل التّعليم إلى مستوى آخر يسعى إلى التّثقيف حول الصحة والاضطرابات النّفسية على نحو مُعَمّق.
فكما يتعلم المراهق في مادة العلوم كيف يَعمل القلب والرّئتان والجهاز العصبي، من حقه أن يمتلك معرفةً أساسيّة بكيفية عمل صحته النفسية، وبأكثر الاضطرابات شيوعًا في هذه المرحلة من العمر، وبالأعراض التي تستدعي الانتباه وطلب المساعدة.
ولا يعني ذلك إطلاقًا تعليم المراهق أن يُشخّص نفسه أو زملاءه، فالهدف من ذلك هو أن يعرف المراهق الفرق بين معاناة عابرة وبين علامات قد تستلزم تدخل اختصاصيين في الصحة النفسية في الصحة النفسية.
ويُمكن على سبيل المثال، أن يعرف أن الاكتئاب ليس مجرد حالة حزن أو كآبة، فالحزن شعور طبيعي في حياة الإنسان، أما استمرار انخفاض المزاج أو العصبية بشكل غير معتاد،.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من هسبريس
