حين تلتقي القبيلة والمرأة والدولة في مسار فاطمة الزهراء المنصوري
خلال يوم واحد كانت تجري مباراتان مغربيتان مختلفتان تماما. واحدة فوق العشب في جنوب إفريقيا، حيث كان أسود الأطلس يواجهون ليسوتو وهم ينظرون منذ الآن إلى أفق 2030، والثانية في الرباط، داخل القصر الملكي، حيث كان المغرب يفتح صفحة سياسية غير مسبوقة في تاريخه.
في 29 شتنبر 2026 استقبل الملك محمد السادس فاطمة الزهراء المنصوري وكلفها بتشكيل الحكومة الجديدة، بعد أن تصدر حزب الأصالة والمعاصرة الانتخابات التشريعية بحصوله على 97 مقعدا من أصل 395. وللمرة الأولى في تاريخ البلاد، تصبح امرأة رئيسة للحكومة.
الخبر ليس عاديا، يمكن قراءته سياسيا، من خلال الانتخابات والتحالفات وموازين القوى بين الأحزاب. كما يمكن قراءته اجتماعيا، من خلال التحول في حضور المرأة داخل مؤسسات الدولة المغربية. لكن ثمة قراءة ثالثة قد تسمح بكشف الطبقات الأقل ظهورا في الحدث: القراءة الأنثروبولوجية.
لو استدعينا عالم الأنثربولوجيا كليفورد غيرتز، من أجل قراءة متخصصة في مجاله، لهذا الحدث، لكان سيرشدنا إلى “الوصف الكثيف/ الدقيق”، أي عن ضرورة ألا نكتفي بتسجيل الفعل، بل أن نعيد بناء شبكة المعاني التي يكتسبها هذا الحدث، وتشكل دلالته. ومن هذا المنظور، لا يكون تعيين المنصوري مجرد فعل دستوري، بل حدثا يحرك في الوقت نفسه قضايا الجندر/ النوع والذاكرة والمدينة والنسب والقبيلة والطقس وتمثلات السلطة، لدى المجتمع المغربي.
فاطمة الزهراء المنصوري لا تصل إلى القصر فقط باعتبارها محامية ووزيرة وعمدة لمراكش وزعيمة لحزب سياسي. داخل مسارها تتقاطع مراكش والرحامنة وأولاد دليم والصحراء والمرأة والعائلة ثم الدولة. وكأن في سيرة واحدة أكثر من خريطة اجتماعية للمغرب.
مراكش تعود إلى المركز
يمكن الانطلاق من مراكش. فالمدينة المعروفة اليوم في العالم باعتبارها واحدة من أبرز الوجهات السياحية الدولية ليست فقط مدينة الفنادق والرياضات وساحة جامع الفنا، بل هي أيضا مدينة سلطة وذاكرة سياسية. كانت في فترات مختلفة عاصمة لسلالات حكمت المغرب ومدت نفوذها في بعض المراحل إلى ما وراء الحدود الحالية للبلاد. وحتى بعد انتقال مركز القرار السياسي إلى فاس ثم الرباط، ظلت مراكش تحتفظ في ذاكرتها بعلاقة خاصة مع السلطة، وكأنها تبتعد عن المركز ثم تعود إليه بعد فترات طويلة.
لهذا استوقفتني تدوينة الشاعرة والكاتبة المغربية المقيمة بروما، دليلة حياوي بعنوان دال: “مراكش تعود إلى الواجهة السياسية”. تستحضر حياوي ثلاثة أسماء تفصل بينها عقود طويلة.
الأول هو باحماد بن موسى، “الصدر الأعظم” (رئيس الوزراء بالتوصيف الحالي) وصاحب النفوذ الكبير في بداية عهد السلطان مولاي عبد العزيز بين 1894 و1900. وتشير حياوي في سردها العائلي إلى أن باحماد كان زوج جدتها الكبرى “لالة زينب” بنت الباشا العباس بن داود.
أما الإسم الثاني فهو عبد الله إبراهيم، ابن منطقة مراكش وأحد وجوه الحركة الوطنية واليسار المغربي، الذي ترأس مجلس الحكومة بين 1958 و1960.
ثم تأتي الثالثة: فاطمة الزهراء المنصوري، وهذه المرة امرأة، تصفها حياوي بعبارة شديدة الارتباط بلغة المدينة ومخيلتها: “زغرودة مراكش الحمراء”، في إشارة إلى خصوصية الانتماء إلى المدينة، التي ارتبط اسمها بنعت: ” البهجة”، التي تحيل على الفرح في المخيلة المغربية، بل إلى العرس عند المغاربة يطلق عليه اسم “الفرْح”.
ويكتسب الإيقاع الزمني هنا، في تعيين رئيس حكومة مغربي من مراكش، قيمة سردية أيضا. أربعة وستون عاما تفصل 1894 عن 1958، وثمانية وستون عاما تفصل 1958 عن 2026، بينما يمتد الخط كله على 132 عاما. لكن المعنى لا يكمن في الحساب وحده، بل في الكيفية التي تمنح بها الذاكرة معنى للزمن.
باحماد ينتمي إلى زمن المخزن والسلطنة والصدر الأعظم وشبكات القرابة والقصر. عبد الله إبراهيم ينتمي إلى زمن الاستقلال والحركة الوطنية وبناء الدولة الحديثة.
أما المنصوري فتنتمي إلى زمن الدستور والانتخابات والأحزاب والتمثيل النسائي ومغرب يستعد لكأس العالم. ثلاثة أشخاص، وثلاثة أزمنة مختلفة للسلطة، ومدينة واحدة تعود في كل مرة إلى المركز بلغة تاريخية مغايرة.
من مراكش إلى أولاد دليم
لكن مراكش ليست المكان الوحيد في سيرة المنصوري. خلف الانتماء الحضري تظهر ذاكرة أخرى، هي ذاكرة النسب والانتماء القبلي. خلال تجمع سياسي كبير عقد في الداخلة في شتنبر 2026، قالت المنصوري: “أنا منكم”، معلنة للحاضرين انتماءها إلى قبيلة أولاد دليم، إحدى التشكيلات القبلية الحسانية التاريخية ذات الحضور القوي في المجال الصحراوي، وخصوصا في منطقة وادي الذهب والداخلة.
يتحدث عالم الإجتماع بيير بورديو عن الرأسمال الاجتماعي والرأسمال الرمزي والتفويض والتمثيل. وفي نصه: The Forms of Capital يشرح كيف يمكن لجماعة أن تركز رأسمالها الاجتماعي في شخص ممثل يمنح سلطة التحدث والتصرف باسمها.
لم تكن عبارة “أنا منكم” محايدة، ولم تكن الداخلة مكانا محايدا لقولها. فهي إحدى أهم الأقطاب الحضرية الاستراتيجية في الصحراء المغربية الغربية، ومرشحة لتلعب أدوارا اقتصاديا هامة مع تنزيل مقترح الحكم الذاتي بالمناطق الصحراوية، فعندما يعلن سياسي أمام جمهور محلي انتماءه القبلي، فإنه لا يقدم فقط معلومة عن شجرة العائلة، بل يدخل إلى لغة أخرى للسياسة، هي لغة القرابة والقرب الاجتماعي والذاكرة الجماعية.
هنا يظل عمل الأنثربولوجي إرنست غلنر حول المغرب مفيدا، وإن كان مع كثير من الحذر. ففي كتابه: Saints of the Atlas بيّن الرجل كيف كانت النسبية القبلية والتجزؤ والوساطة والتحالفات داخل المجتمعات القبلية المغربية أيضا أشكالا من التنظيم السياسي. ولا يمكن نقل نموذجه آليا إلى المغرب المعاصر، لكن قيمته تكمن في تذكيرنا بأن القبيلة ليست مجرد نسب خاص، بل كانت تاريخيا شكلا من أشكال التنظيم الاجتماعي والسياسي.
ومن منظور الدولة الحديثة، يفترض أن يتوجه السياسي إلى مواطنين أفراد، يقدم برنامجا ويطلب أصواتهم. لكن الناس لا يدخلون إلى المجال السياسي بلا تاريخ، بل يدخلون إليه بوصفهم أبناء عائلات ومناطق وقبائل ومدن وعوالم لغوية وذاكرات. وعندما تقول المنصوري في الداخلة إنها تنتمي إلى أولاد دليم، فإن هذا التصريح يمكن أن يعمل أيضا كإشارة قرب: لست فقط مسؤولة جاءت من الرباط، أو وزيرة سابقة، أو زعيمة حزب، بل لي أنا أيضا مكان داخل هذه الجغرافيا الاجتماعية.
وهنا يقدم بيير بورديو مفتاحا مفيدا جدا. فالانتماء يمكن أن يتحول إلى رأسمال رمزي عندما يعترف به اجتماعيا ويتم توظيفه لإنتاج الثقة والمكانة والتمثيل. ليست المعلومة النسبية في حد ذاتها هي التي تولد القوة السياسية، بل القيمة التي يمنحها الناس لذلك الانتماء. ومن هذا المنظور يظهر واحد من تناقضات الحداثة السياسية المغربية: الدولة لم تلغ القبيلة، والانتخابات لم تمح النسب، والمدينة لم تمح الصحراء. تغيرت وظائف هذه الانتماءات، لكنها لم تختف.
الرحامنة وذاكرة الحركة
تزداد الصورة تعقيدا عندما نضيف الرحامنة إلى الجغرافيا الإجتماعية لانتماء فاطمة الزهراء. فالرحامنة ليست فقط إقليما إداريا شمال مراكش وعاصمته ابن جرير. تاريخ المنطقة الاجتماعي يحيل إلى تحركات بشرية قديمة وإلى جماعات مرتبطة بمعقل عاشت في مجالات صحراوية قبل أن تنتقل وتستقر شمالا. وهذا لا يعني أن الرحامنة وأولاد دليم شيء واحد، ولا يسمح بدمج هويتين قبليتين مختلفتين في هوية واحدة، لكنه يذكرنا بأمر مهم: الخريطة الاجتماعية للمغرب لم تكن تاريخيا ثابتة كما تبدو اليوم في الخرائط الإدارية.
كانت القبائل تتحرك، والعائلات تنتقل، والمصاهرات تربط بين مجالات متباعدة، بينما كانت الرعي والتجارة والحروب والتحالفات ترسم مسارات لا تتطابق دائما مع حدود الأقاليم والجهات الإثنى عشر الحالية. ولهذا فإن السؤال الأنثروبولوجي الأكثر أهمية ليس فقط: “من أين تنحدر المنصوري؟”، بل: “كيف اجتمعت داخل تاريخ عائلتها انتماءات وذاكرات متعددة بين المجال الصحراوي والرحامنة ومراكش؟”
فالهوية الاجتماعية ليست صندوقا مغلقا بالضرورة. يمكن للشخص أن يحمل نسبا قبليا، وذاكرة عائلية، ومجال استقرار، ومكان ولادة، ثم هوية حضرية وسياسية لاحقة، من دون أن تكون هذه العناصر مترادفة أو متعارضة بالضرورة. ومن هذه الزاوية يمكن قراءة مسار المنصوري عبر أربعة أمكنة رمزية: الداخلة حيث يظهر النسب والقبيلة، الرحامنة حيث تظهر ذاكرة الحركة والاستقرار، مراكش حيث تتكون الشخصية الحضرية والسياسية، والرباط حيث تدخل كل هذه المسارات إلى فضاء الدولة.
من “أنا منكم” إلى “أنا مسؤولة عن الجميع”
لم تقل المنصوري فقط “أنا منكم” بل أضافت أيضا في معرض كلامها: “أنا مسؤولة عن الجميع”، هنا يصبح ملف الصحراء أكثر من مجرد بند من بنود السياسة الخارجية في أجندة رئيسة الحكومة الجديدة. لكن الحذر ضروري. فالانتماء إلى أولاد دليم لا يجعل المنصوري ممثلة تلقائية للصحراويين، ولا يعني أن النسب سيحدد موقفها السياسي، كما أن القبيلة لا تمنح وحدها شرعية الحديث باسم مجتمع متنوع ومعقد. لكن القيمة الرمزية لذلك الانتماء موجودة.
رئيسة الحكومة التي أعلنت في الداخلة هذا الانتماء ستقود الجهاز التنفيذي في مرحلة يواصل فيها المغرب الدفاع عن مشروع الحكم الذاتي الذي تقدم به سنة 2007 باعتباره أساسا لحل النزاع حول الصحراء الغربية. وهنا يختلف عمل الدبلوماسية عن عمل الحكومة. فالدبلوماسية تفاوض وتبني التحالفات وتبحث عن الدعم الدولي، أما الحكومة فعليها أن تدبر نتائج السياسة حين تتحول إلى حياة يومية.
إذا عرف ملف الحكم الذاتي تحولا جوهريا خلال ولايتها، فستظهر أسئلة ملموسة: كيف ستدار المؤسسات المحلية؟ كيف ستوزع الاختصاصات والموارد؟ كيف ستضمن التمثيلية؟ وماذا يعني الحكم الذاتي في الحياة اليومية للناس، لا فقط في النصوص الدبلوماسية؟
هنا يصبح حديث الأنثربولوجي فرانشيسكو فاكيانو مفيدا بشكل خاص. ففي كتابه” أنثروبولوجيا الكرامة: التطلعات والأخلاق والسعي وراء الرفاه في المغرب المعاصر”، يبين أن الطموحات السياسية والاجتماعية لا يمكن فهمها فقط من خلال المؤشرات الاقتصادية أو المؤسساتية، بل يجب قراءتها داخل توقعات الحياة الكريمة، وإمكانات الاختيار، والاعتراف، والعلاقة الملموسة بين الناس والمؤسسات. وفي تحليله للمغرب المعاصر، تبرز كلمة “كرامة” بقوة خلال احتجاجات 2011، مقترنة بالحرية والعدالة الاجتماعية.
وهكذا فإن السؤال لا يتعلق فقط بالشكل المؤسساتي الذي سيأخذه الإقليم، بل أيضا بنوع الكرامة والمشاركة والمستقبل الذي تستطيع المؤسسات إنتاجه في حياة الناس. ومن هذا المنظور، يمكن أن تصبح معرفة المجتمع الصحراوي وشبكاته وذاكراته موردا للفهم والوساطة، لا لأن المنصوري ينبغي أن تقوم بدور “الوسيط القبلي”، بل لأن السياسة تحتاج إلى فهم اللغة الاجتماعية للمجال الذي تريد تدبيره. وسيكون الاختبار الحقيقي هو الانتقال من “أنا منكم” إلى “أنا مسؤولة عن الجميع”: الأولى لغة الانتماء، والثانية لغة المؤسسة.
المونديال وخريطة أخرى للحدود
في الجهة الأخرى توجد إسبانيا. مفارقة 2030 تبدو شبه مكتوبة سلفا: المغرب وإسبانيا يتنافسان على تنظيم نهائي كأس العالم وسينظمان معا إلى جانب البرتغال أغلب فعاليات المونديال المقبل، رغم استمرار اختلاف الرباط ومدريد في قراءتهما لبعض أجزاء الجغرافيا المشتركة بينهما، من سبتة ومليلية إلى الجزر الجعفرية وغيرها من المجالات الواقعة تحت الإدارة الإسبانية. مدريد تعتبر سبتة ومليلية جزءا من السيادة الإسبانية، فيما ظلت المطالبة المغربية بهذه الأراضي حاضرة تاريخيا في الخطاب السياسي والدبلوماسي وتعتبرها محتلة ويجب تحريرها بالحوار وسلميا، على منوال ما تم سابقا في الصحراء المغربية الغربية التي كانت محتلة من طرف إسبانيا وتحررت بشكل سلمي في عهد فرانشيسكو فرانكو، من خلال معاهدة مدريد 14 نونبر 1975، التي قضت بانسحاب إسبانيا الإداري والعسكري من الصحراء، فهل سيتحقق الأمر من جديد مع حكومة المنصوري.
المفارقة أن بلدين لا يقرآن بعض أجزاء الخريطة بالطريقة نفسها سيضطران إلى التعاون لإنجاز حدث عالمي يحتاج إلى أعلى مستويات التنسيق في النقل والأمن والاستثمار والسياحة والبنية التحتية. وهنا تتوقف الحدود عن كونها خطوطا سياسية فقط. حولها تتحرك عائلات وأسواق ولغات وذاكرات وأشخاص. ترسم الدولة خطا، لكن الحياة الاجتماعية والثقافية تعبره في كثير من الأحيان وتعيد تعريفه.
ويقدم فاكيانو هنا أيضا مفتاحا مفيدا، حين يبين أن الحدود ليست مجرد فواصل إدارية، بل آليات توزع بشكل غير متساو إمكانات الحركة والولوج والمستقبل. ففي عمله حول المغرب، ترتبط الهجرة باستمرار بفكرة الكرامة والبحث عن إمكانات فعلية للحياة. وقد قال له أحد مخاطبيه ذات مرة: “أنا أحدثك عن حياة كريمة”، وهي العبارة التي رافقت أبحاثه سنوات طويلة.
وقد تجد حكومة المنصوري نفسها أمام معادلة دقيقة: كيف تحفظ كرامة المواطن المغربي وتقنعه بعدم تكرار مشاهد الهجرة غير النظامية نحو سبتة ومليلية؟ كيف تعمق الشراكة الاستراتيجية مع إسبانيا في الاقتصاد والأمن والهجرة وتنظيم المونديال من دون أن تمحو الذاكرة السياسية للقضايا التي بقيت عالقة؟ وهل يمكن لهذا التعاون المكثف أن ينتج مستقبلا لغة أقل توترا في الحديث عن الحدود؟ المسألة ليست قانونية فقط، بل تتعلق أيضا بالطريقة التي يتخيل بها مجتمعان متجاوران فضاء مشتركا.
امرأة تدخل صورة السلطة
يبقى التحول الأكثر ظهورا هو جنس الشخص الذي سيقود الحكومة. هذه المرة تدخل امرأة إلى.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من هسبريس
