الحكومة المقبلة: التدقيق قبل التعيين

إن نخبنا الحاكمة التي تنادي بـ«الثقة» تعرف، أكثر من غيرها، حجم مساهمة الإخلال بالنزاهة في تغذية حالة انعدام الثقة السائدة تجاه غالبية الطبقة السياسية. وبعد أن أساءت استغلال سذاجة المغاربة وثقتهم، تدرك هذه النخب أيضاً أن الخطابات الداعية إلى التحلي بالفضيلة لم تعد كافية. فتكرار شعار الثقة بلا نهاية، من دون اتخاذ إجراءات سياسية ملموسة، أصبح أمراً فاضحاً.

وبمناسبة تشكيل حكومتها، تتوفر رئيسة الحكومة على فرصة لوضع بعض القيم الحقيقية فوق المصالح الشخصية لأعضاء حكومتها المرتقبة، وذلك من خلال جعل تقديم ضمانات مسبقة بشأن النزاهة شرطاً لإسناد أي حقيبة وزارية. ليس بعد التعيين، ولا خلال مهلة 60 يوماً، بل قبل ذلك. لأن أخلاق السياسيين يجب أن تكون أرفع من أخلاق المواطنين العاديين، وكلما ارتفعت مسؤولياتهم، وجب أن يرتفع معها مستوى حسهم بالمسؤولية وضبط النفس.

في المغرب، لا تتدخل الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها إلا في مرحلة لاحقة، إذ لا يُنص على رأيها ولا يُطلب منها إبداء موقف قبل التعيينات. كما أن مهلة الستين يوماً المخصصة لتسوية الوضعية تؤكد هذا المنطق: يتم التعيين أولاً، ثم يأتي التدقيق لاحقاً. ويمكن تصحيح هذا الاختلال ليكون أول قرار سياسي لرئيسة الحكومة، من خلال إسناد مهمة المراقبة المسبقة لتضارب المصالح إلى الهيئة الوطنية للنزاهة، واشتراط الحصول على شهادة براءة ذمة ضريبية لكل مرشح محتمل. ومن شأن هذا القرار أن يسبق التعيينات ويجعلها مشروطة به، في خطوة تشكل قطيعة مع الممارسات السابقة.

لقد أدركت الديمقراطيات في مختلف أنحاء العالم أن الوقاية أفضل من العلاج، وأن هذا النوع من الرقابة ينبغي أن يتم مسبقاً: ففي كندا، لا يتم التعيين دون تقديم تصريح مسبق بالمصالح؛ وفي المملكة المتحدة، يُطلب الكشف الكامل عن المصالح قبل تولي المنصب؛ وفي إسبانيا، يُعهد بالرقابة المسبقة إلى مكتب تضارب المصالح؛ أما في فرنسا، فتتولى الهيئة العليا للشفافية في الحياة العامة التحقق من وضعية الوزراء المرتقبين قبل تعيينهم، وليس لأن القانون يفرض ذلك، وإنما بفضل الإرادة السياسية وحدها، وبالتالي، فالأمر لا يتعلق باستثناء، بل بمعيار دولي تشجع عليه أيضاً منظمة التعاون والتنمية في الميدان الاقتصادي (OCDE). والسؤال بسيط ويستحق جواباً واضحاً: هل رئيسة الحكومة مستعدة لإخضاع كل مرشح لمنصب وزاري لفحص مسبق بشأن تضارب المصالح، واشتراط حصوله على براءة ذمة ضريبية؟

إذا كانت تريد فعلاً القطيعة مع ممارسات الماضي، فالوقت هو الآن، ومنذ اليوم الأول. لأن الثقة لا تُعلن، بل تُثبت، أولاً من خلال الأشخاص الذين يتم اختيارهم لتولي مسؤولية الحكم، والذين يقع عليهم واجب التحلي بأعلى درجات النزاهة والمثال الأخلاقي.


هذا المحتوى مقدم من جريدة كفى

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من جريدة كفى

منذ ساعتين
منذ ساعة
منذ ساعتين
منذ 3 ساعات
منذ 3 ساعات
منذ 11 ساعة
جريدة تيليغراف المغربية منذ 4 ساعات
بلادنا 24 منذ 3 ساعات
هسبريس منذ ساعة
موقع بالواضح منذ ساعة
هسبريس منذ 4 ساعات
جريدة أكادير24 منذ 8 ساعات
Le12.ma منذ 7 ساعات
هسبريس منذ 9 ساعات