لم تمضِ سوى أيام على الانتخابات التشريعية لـ23 شتنبر 2026 حتى بدأ نقاش جديد داخل اليسار المغربي: هل يمكن أن يجتمع حزب التقدم والاشتراكية، الذي حصل على 19 مقعداً، مع تحالف اليسار، الذي يضم الحزب الاشتراكي الموحد وفيدرالية اليسار الديمقراطي والحاصل

بين منطق الوحدة البرلمانية ومنطق الحفاظ على الاستقلال التنظيمي، يفتح النقاش حول تشكيل فريق نيابي مشترك بين حزب التقدم والاشتراكية وتحالف اليسار سؤالاً أعمق: كيف يمكن لليسار المغربي أن يحوّل تعدده السياسي إلى تأثير مؤسساتي حقيقي؟.

لم تمضِ سوى أيام على الانتخابات التشريعية لـ23 شتنبر 2026 حتى بدأ نقاش جديد داخل اليسار المغربي: هل يمكن أن يجتمع حزب التقدم والاشتراكية، الذي حصل على 19 مقعداً، مع تحالف اليسار، الذي يضم الحزب الاشتراكي الموحد وفيدرالية اليسار الديمقراطي والحاصل على 8 مقاعد، في فريق برلماني مشترك من 27 نائباً؟.

السؤال يبدو، للوهلة الأولى، تقنياً وبرلمانياً. لكنه في الحقيقة سياسي بامتياز. فهو يعيد إلى الواجهة سؤالاً قديماً ومتجدداً: هل وحدة اليسار تبدأ من البرلمان، أم أن الوحدة البرلمانية لا يمكن أن تكون إلا نتيجة لوحدة سياسية أعمق؟.

المعادلة الجديدة تستحق نقاشاً هادئاً بعيداً عن الحماس الحزبي أو الحسابات الضيقة. فالمؤيدون للتحالف يرون فيه فرصة نادرة لتجميع قوة يسارية داخل المؤسسة التشريعية، بينما يخشى المتحفظون أن تتحول الوحدة البرلمانية إلى وحدة شكلية تخفي اختلافات سياسية وتنظيمية قد تنفجر لاحقاً.

أولاً: ماذا تقول الأرقام؟

* الأرقام واضحة.

حزب التقدم والاشتراكية حصل على 19 مقعداً، أي أقل بمقعد واحد من العدد المطلوب لتكوين فريق نيابي بمفرده، بينما حصل تحالف اليسار على 8 مقاعد. وبجمع الطرفين يصبح العدد 27 نائباً، أي سبعة مقاعد فوق العتبة المطلوبة لتشكيل فريق نيابي.

وهنا تكمن المفارقة السياسية الجميلة: مقعد واحد يفصل حزباً عن إمكانية تشكيل فريق مستقل، لكن ثمانية مقاعد تفتح الباب أمام صيغة يسارية مشتركة تتجاوز مجرد سد العجز العددي.

فالتحالف، إذا تم، لن يكون مجرد عملية حسابية من نوع 19 + 8 = 27، وإنما يمكن أن يتحول إلى بنية سياسية وبرلمانية جديدة إذا أُحسن تدبيرها.

ثانياً: لماذا يؤيد البعض تشكيل الفريق المشترك؟

1. لأن السياسة البرلمانية ليست مجرد عدد النواب لكنها تبدأ بالعدد.

امتلاك فريق نيابي يمنح حضوراً تنظيمياً وسياسياً مختلفاً عن وضعية المجموعة النيابية.

ومن هذه الزاوية، فإن انتقال القوى اليسارية الثلاث من وضعية التشتت إلى فريق من 27 نائباً يمكن أن يمنحها قدرة أكبر على تنظيم العمل البرلماني، وتوزيع الملفات، والتنسيق في التشريع والرقابة وتقييم السياسات العمومية.

وهذا بالضبط ما يجعل المسألة تتجاوز الاعتبارات الرمزية: 27 نائباً منسقين يمكن أن يكون لهم حضور مختلف عن 19 نائباً يعملون في إطار منفرد و8 نواب يعملون في إطار آخر.

2. توحيد الصوت اليساري داخل البرلمان

من أكبر مشكلات اليسار المغربي تاريخياً تعدد التعبيرات التنظيمية والسياسية.

وقد أظهرت انتخابات 2026 paradoxاً مهماً: تحالف اليسار، الذي يضم الحزب الاشتراكي الموحد وفيدرالية اليسار الديمقراطي، تمكن من رفع تمثيله إلى 8 مقاعد، بينما حافظ حزب التقدم والاشتراكية على حضور برلماني مهم بـ19 مقعداً.

وبالتالي فإن السؤال لم يعد: «من يمثل اليسار؟».

بل يمكن أن يصبح:

كيف يمكن لكل هذه التعبيرات أن تجعل تمثيلها البرلماني أكثر فعالية؟.

الفريق المشترك قد يقدم جواباً عملياً عن هذا السؤال، دون أن يعني بالضرورة اندماج الأحزاب أو إلغاء استقلالها.

3. الفائدة السياسية: الانتقال من تعدد الأصوات إلى تنسيق المواقف

يمكن لفريق من 27 نائباً أن يضع آلية مشتركة بشأن الملفات الكبرى:

الحريات والديمقراطية؛

العدالة الاجتماعية؛

التعليم والصحة؛

التشغيل؛

القدرة الشرائية؛

السكن؛

الحكامة ومحاربة الفساد؛

السياسات الترابية؛

قضايا الشباب والنساء؛

قضايا المغاربة المقيمين بالخارج.

وهنا يمكن بناء ميثاق برلماني محدود، لا يفرض على الأحزاب توحيد برامجها أو هويتها، وإنما يحدد القضايا التي تلتزم فيها بالتنسيق والتصويت المشترك.

وهذه ربما تكون الصيغة الأكثر واقعية: وحدة في البرلمان، وتعدد في التنظيم، وتنسيق في القضايا المتفق عليها.

ثالثاً: الفائدة اللوجستيكية والمؤسساتية

هذه النقطة لا ينبغي الاستهانة بها.

الفريق البرلماني ليس مجرد عنوان سياسي. إنه إطار مؤسساتي يسمح بتنظيم أفضل للعمل البرلماني وتقسيم المسؤوليات والملفات والخبرات.

27 نائباً يمكن أن يشكلوا، مثلاً، مجموعات عمل متخصصة في:

الاقتصاد والمالية الشؤون الاجتماعية الحريات الثقافة والتعليم الشباب والنساء الجماعات الترابية العلاقات الخارجية مغاربة العالم.

وبذلك يستطيع الفريق أن يستثمر بشكل أفضل الكفاءات المتنوعة الموجودة لدى النواب.

كما أن توحيد الجهود يسمح بتفادي تكرار العمل: بدلاً من أن يعد ثلاثة نواب أو ثلاث مجموعات مذكرات وأسئلة متشابهة حول الموضوع نفسه، يمكن توزيع الملفات بينهم ثم صياغة موقف مشترك.

وهذا يعني اقتصاداً في الوقت والجهد والخبرة والموارد البرلمانية.

رابعاً: وهناك أيضاً بُعد «أمني» بالمعنى المؤسساتي

إذا استخدمنا كلمة «أمني» بمعناها الواسع، فإن وحدة الفريق يمكن أن توفر نوعاً من الأمن السياسي والتنظيمي.

النائب المنفرد أو المجموعة الصغيرة تكون أكثر عرضة للتهميش المؤسساتي، بينما يمنح الفريق الأكبر قدرة أكبر على الدفاع عن حضور أعضائه، وتنسيق المواقف، وتوفير الدعم السياسي والقانوني والتقني للنواب.

كما أن وجود فريق منظم يمكن أن يمنع بعض الملفات الحساسة من التحول إلى مواقف فردية متناقضة، وذلك عبر آلية داخلية للتشاور قبل اتخاذ المواقف.

لكن ينبغي الانتباه إلى أن هذا الجانب لا يعني إطلاقاً أن الفريق يجب أن يتحول إلى جهاز للانضباط الحزبي الصارم.

على العكس، قوته ستكون في تنظيم الاختلاف، لا في إلغائه.

خامساً: لكن ماذا يقول المعارضون أو المتحفظون؟

هنا تبدأ المسألة الحقيقية.

أول اعتراض يمكن تلخيصه في سؤال بسيط:

هل يكفي الاتفاق على العمل البرلماني لتجاوز الاختلافات السياسية؟.

الجواب ليس بالضرورة.

فحزب التقدم والاشتراكية له تاريخه وخياراته السياسية والتنظيمية، وتحالف اليسار له ميثاقه وتكوينه الخاص. ولذلك فإن تشكيل فريق مشترك لا ينبغي أن يُقدَّم وكأنه اندماج سياسي أو تأسيس حزب يساري جديد.

والأخطر هو أن يتم الانتقال من «تعاون برلماني» إلى «وحدة سياسية مفروضة» قبل نضج شروطها.

الخطر الثاني: فقدان الاستقلالية

قد يخشى بعض مناضلي كل طرف أن يؤدي الفريق المشترك إلى ذوبان الهوية السياسية.

وهذا التخوف مشروع من الناحية التنظيمية.

فالحزب الاشتراكي الموحد، وفيدرالية اليسار الديمقراطي، وحزب التقدم والاشتراكية ليست مجرد ثلاثة أسماء متشابهة؛ لكل واحد منها تاريخه وتجربته وقاعدته التنظيمية ومقارباته لبعض القضايا.

لذلك يجب أن تكون القاعدة:

الفريق واحد، والأحزاب متعددة، والقرار المشترك يقتصر على ما تم الاتفاق عليه.

الخطر الثالث: من يقود الفريق؟

هنا قد تبدأ المشكلة قبل أن يبدأ العمل.

إذا كان الفريق يضم 27 نائباً، فمن سيرأسه؟.

وكيف توزع المسؤوليات؟.

هل تكون الرئاسة بالتناوب؟.

هل يتم اعتماد التوافق؟.

هل تمثل المقاعد الـ19 لحزب التقدم والاشتراكية وزناً أكبر في المسؤوليات؟.

أم أن قاعدة الشراكة تفرض تقاسماً متوازناً؟.

هذه الأسئلة ليست تقنية فقط، لأنها قد تتحول إلى اختبار مبكر للثقة بين الأطراف.

ولهذا فإن الحكامة الداخلية للفريق أهم من الإعلان السياسي عنه.

سادساً: الحل العملي: تحالف برلماني لا اندماج حزبي

ربما تكون أكثر الصيغ واقعية هي عدم تحميل الفريق المشترك أكثر مما يحتمل.

لا حاجة إلى إعلان «وحدة اليسار» بمعناها التاريخي الكبير.

يمكن ببساطة تأسيس:

فريق برلماني مشترك من 27 نائباً، قائم على ميثاق واضح ومحدود المدة والاختصاصات.

ويحدد الميثاق:

القضايا التي يتم فيها التصويت المشترك.

القضايا التي يحتفظ فيها كل حزب بحقه في التصويت المستقل.

آلية اتخاذ القرار.

طريقة اختيار رئيس الفريق.

نظام التناوب في المسؤوليات.

آلية حل الخلافات.

كيفية التواصل الإعلامي.

عدم إلزام أي حزب بمواقف تخالف قراراته التنظيمية الأساسية.

وبذلك يصبح الاختلاف داخل الفريق مصدراً للثراء لا سبباً للانقسام.

سابعاً: ماذا عن المعارضة والأغلبية؟

هذه النقطة تحتاج إلى فصلها عن موضوع الفريق.

فوجود فريق مشترك لا يعني تلقائياً أن الأطراف الثلاثة يجب أن تتخذ الموقف نفسه من الحكومة في كل الظروف.

بل يمكن أن يكون هناك اتفاق على تشكيل الفريق البرلماني، مع احتفاظ كل طرف بموقفه من الحكومة أو المعارضة، إذا لم يوجد اتفاق سياسي شامل.

ومع ذلك، فإن المعطيات الحالية تشير إلى أن حزب التقدم والاشتراكية لم يحسم، في 25 شتنبر، تموقعه النهائي بين الحكومة والمعارضة، فيما كان النقاش حول الفريق المشترك مرتبطاً بفكرة بناء جبهة يسارية برلمانية.

وهذا يجعل الفريق المشترك سابقاً منطقياً على الاندماج في موقف سياسي شامل.

ثامناً: 27 نائباً فرصة أم عبء؟

الرقم 27 قد يكون فرصة، لكنه يمكن أن يصبح عبئاً إذا لم توجد قواعد واضحة.

فالعدد الكبير لا ينتج القوة تلقائياً.

القوة تنتج من:

عدد + تنسيق + كفاءة + انضباط ديمقراطي + وضوح في المواقف.

أما 27 نائباً يتحدثون بـ27 لغة سياسية مختلفة، فقد يتحول الفريق إلى غرفة كبيرة للخلافات الصغيرة.

لذلك فإن السؤال الحقيقي ليس:

هل يستطيعون تشكيل فريق من 27 نائباً؟

فالجواب العددي واضح.

السؤال الأهم هو:

هل يستطيعون إدارة اختلافاتهم داخل فريق واحد دون أن يتحول الاختلاف إلى صراع؟.

تاسعاً: منطق الربح المتبادل

من زاوية براغماتية، يمكن القول إن لكل طرف شيئاً يحصل عليه من التعاون.

حزب التقدم والاشتراكية ينتقل من 19 نائباً إلى فريق يتجاوز العتبة القانونية، ويمنح حضوره البرلماني إطاراً أوسع.

تحالف اليسار ينتقل من 8 نواب إلى موقع مؤسساتي أقوى، مع الاستفادة من تجربة برلمانية وتنظيمية أوسع.

أما البرلمان نفسه، فيستفيد من وجود قطب يساري أكثر تنسيقاً، يمكنه أن يقدم مقترحات ومواقف ومبادرات أكثر وضوحاً.

لكن هذا الربح لا يصبح حقيقياً إلا إذا كان متبادلاً.

فالتحالف الذي يشعر فيه طرف بأنه «استضاف» الطرف الآخر، أو أن طرفاً آخر يريد استخدامه لأهدافه الخاصة، لن يعيش طويلاً.

عاشراً: الدرس الأهم: لا ينبغي أن يكون التحالف نتيجة للخوف من العزلة

هناك فرق بين تحالف يقوم على الضرورة وتحالف يقوم على الاقتناع.

التحالف البرلماني الحالي قد تكون له دوافع عددية ومؤسساتية واضحة، لكن نجاحه سيحتاج إلى تحويل الضرورة إلى فرصة.

بمعنى آخر:

لا ينبغي أن يكون شعار الفريق: «نتحد لأننا لا نملك 20 نائباً».

بل:

«لدينا 27 نائباً، فلماذا لا نحول هذا العدد إلى قوة سياسية لخدمة مشروع اجتماعي وديمقراطي مشترك؟»

وهذا فارق جوهري.

فالتحالف الذي يولد من العجز قد يموت عندما تزول الحاجة.

أما التحالف الذي يولد من المصلحة المشتركة والقواعد الواضحة والثقة المتبادلة، فقد يتحول إلى تجربة سياسية قابلة للتطور.

خاتمة: البرلمان قد يكون بداية لا نهاية.

ربما تكون المفارقة التاريخية في المشهد الحالي أن الانتخابات التي لم توحّد اليسار انتخابياً قد تفرض عليه نوعاً من الوحدة البرلمانية.

وهنا توجد فرصة، ولكن توجد أيضاً مسؤولية.

فاليسار المغربي لا يحتاج بالضرورة إلى إلغاء تعدده حتى يصبح أكثر فعالية. وربما تكون التجربة البرلمانية المشتركة مختبراً عملياً لاختبار إمكانية التعايش بين مختلف مكوناته.

27 نائباً ليسوا مجرد حاصل جمع 19 و8.

إنهم، إذا أحسنوا إدارة اختلافاتهم، 27 إمكانية لصناعة صوت يساري أكثر حضوراً داخل المؤسسة التشريعية.

لكن الرقم وحده لا يصنع القوة.

القوة تبدأ عندما يتحول العدد إلى تنسيق، والتنسيق إلى عمل، والعمل إلى أثر ملموس في حياة المواطنين.

ولهذا، فإن النقاش الجدي لا ينبغي أن يكون بين «مع التحالف» و«ضد التحالف»، وإنما حول سؤال أكثر نضجاً:

أي صيغة للتحالف تستطيع أن تجمع بين وحدة العمل البرلماني واستقلال القرار السياسي، وبين قوة الفريق واحترام تعدد مكوناته؟

إذا استطاعت الأحزاب الثلاثة الإجابة عن هذا السؤال بوضوح، فقد يكون الفريق البرلماني المشترك أكثر من مجرد ترتيب تقني بعد الانتخابات؛ وقد يصبح تجربة عملية لاختبار إمكان بناء جسور جديدة داخل اليسار المغربي.


هذا المحتوى مقدم من جريدة كفى

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من جريدة كفى

منذ 4 ساعات
منذ 11 ساعة
منذ 4 ساعات
منذ 3 ساعات
منذ 3 ساعات
منذ 5 ساعات
جريدة تيليغراف المغربية منذ 5 ساعات
جريدة كفى منذ 3 ساعات
Le12.ma منذ 8 ساعات
هسبريس منذ 6 ساعات
Le12.ma منذ 8 ساعات
هسبريس منذ 10 ساعات
Le12.ma منذ 8 ساعات
بلادنا 24 منذ 3 ساعات