رئيسة الحكومة فاطمة الزهراء المنصوري (بين الاخباريين والحداثيين أو بين الفكر الديني والفكر الوضعي)

بقلم: حسن حلحول (.)

كثر السجال والجدال والخطاب كأنما نعيش حدثا لم يسبق لأي مجتمعات البشرية أن عاشته كأننا نعيش ثورة ثقافية مزيفة ادخل المجتمع المغربي، في نقاش بيزنطي لا يسمن ولا يغني في شيء، وإنما أبان على قصور النظر والفكر خصوصا منهم من ينظرون للفكر السياسي المغربي، وأن الذين خاضوا فيه وساهموا في توسيعه بل إلى تمييعه،وقع وحدث في المغرب وهو حدث جرت به العادة منذ دستور 2011 على أن بعيد انتهاء الانتخابات التشريعية يعين جلالة الملك حفظه الله وعافاه،رئيس الحكومة من الحزب الأغلبية الذي يتصدر الانتخابات، فتم تعيين المحامية فاطمة الزهراء المنصوري التي حظيت بالاستقبال الملكي رسمي كلفها بتشكيل الحكومة، ما أن انتهى أمر العيين حتى انهارت التعليقات والكتابات والبودكاست يمينا وشمالا تتحدث عن تعيين المرأة المغربية كأنه الحدث يتعلق بمجتمع يعيش في القرون الوسطى حيث رجال الدين يمسكون بزمام السلطة .

السجال في هذه الحالة عرضا مرضيا وليس جوهرا يفيد الحق والحقيقة، كشف الجدل المحموم الذي رافق الخطاب العام حول الأهلية السياسية للمرأة لقيادة الجهاز الحكومة ،وهو سجال يتجدد مع كل محطة سياسية فارقة عن حالة من الانسداد الفكري والأيديولوجي المزمن الذي يعاني منه الفضاء العمومي. لم ينصب الاهتمام في جوهره على نجاعة الحكامة، ولاعلى تقييم البرامج التنموية ورصيد الكفاءة والمسؤولية المدنية، بل سرعان ما انزاح النقاش نحو استقطاب ثنائي حاد بين تيار إخباري محافظ يستدعي النص الديني يوظف في سجلاتها، و تيار حداثي يمارس النقد كرد فعل ذرعي ومضاد. إن هذه الثنائية الضدية، بتعبيراتها الراهنة وتجلياتها البراغماتية، تسقط في مجافاة الموضوعية وتجارة النظريات؛ حيث يسخر الدين ويغلف مفهوم التنوير لأغراض تكتيكية لا تمت بصلة للبناء المعرفي أو النهوض الاجتماعي.

أولا: في نقد أخلاق السجالي، الإخباريون والاستدعاء الانتقائي للنص.

يرتكز خطاب الإخباريين في هجومهم على حضور المرأة السياسي على استدعاء مقتطع ونفعي للنصوص والتراث. غير أن العلة الحقيقية في هذا الهجوم ليست غيرة مبدئية على الدين ولا حرصا على مقاصد الشريعة، بل هي محاولة لفرض هيمنة رمزية وتسييس أيديولوجي مغلف بالمقدس هو في الأصل مدنس. وهو ما سماه ابن حزم الأندلسي (بالصرامة النصية وإسقاط الهوى)

إذا ما تأملنا منهج الحافظ ابن حزم في نقده المتكلمين والفقهاء، نجد حقيقة حاسمة الفرق بين اتباع النص وإتباع الهوى. إن الانتقائية التي يمارسها الخطاب الإخباري بحيث يستدعى حديث أو مقولة زجرية في موضعٍ لمهاجمة خصم سياسي، بينما يغض الطرف عنها أو تأول تأويلا مرنا إذا كان المعني قريباًأو حليفا وهو عينه ما حذر منه ابن حزم حين اعتبر تسخير النصوص للغايات الحزبية والنفعية خروجا عن الصرامة المنهجية واتباعا صريحا للهوى.

وابن رشد في مؤلفه فصل المقال ، ميز بوضوح بين المستويات المعرفية للخطاب (البرهاني، والجدلي، والخطابي). إن ما يمارسه الإخباريون في الفضاء العام هو إقحام الخطاب السجالي في قضايا الحكامة المدنية؛ حيث يموه على الجمهور بإبراز النصوص خارج سياقاتها التاريخية والمقاصدية، مما يؤدي إلى إشاعة البلبلة والفتنة المجتمعية التي تحرم الشريعة نفسها الوقوع فيها.

ثانيا: الحداثة السجالية والوعي الزائف: نقد رد الفعل.

على الضفة المقابلة، لا يقل الطرح الحداثي المهاجم شططا وضبابية، إذ يتكشف في كثير من محطاته عن حداثة سطحية تقتصر على أن تكون ضد الإخباريين دون أن تؤسس لبديل عقلاني أصيل، التنوير عند إيمانويل كانط هو استقلال فكري وليس رد فعل عن كل ما صدر عن رجال الدين ومعاكسته معاكسة مطلقة لتحقيق غاية أو دون تحقيقها وهو يعرف التنوير بأنه خروج الإنسان من حالة القشور والوصاية التي تسبب فيها لنفسه بعدم استخدامه لعقله باستقلال . إن الدفاع عن المرأة لمجرد نكاية بالخطاب الديني أو من اجل مضايقة مناكفة رجال الدين ليس سلوكا تنويريا بالمعنى الكانطي، بل هو خضوع لوصاية من نوع آخر؛ وصاية رد الفعل وهو تأثير سلبي رجعي إن الحداثة الحقيقية تقتضي تأسيس الدفاع عن المواطنة والكفاءة على قواعد حقوقية وعقلانية قائمة بذاتها، لا الاستعانة المبتذلة بمقولات الفلاسفة والمفكرين دون غاية نبيلة، اما من منظور المادية التاريخية كارل ماركس، تتكشف هذه السجالات بكونها صراعا أيديولوجيا يمثل وعيا زائفا . إن اختزال قضايا التحرر الإنساني والعدالة الاجتماعية في معارك كلامية بين نخب متصارعة يغفل عن العلاقات المادية والتركيبة الاجتماعية الحقيقية. فالحداثي السجالي يستخدم قضية المرأة كغطاء لممارسة أيديولوجيا استئصالية واستعلاء فكري، دون أن يقدم مشروعا مجتمعيا ينفذ إلى جوهر التمكين الاقتصادي والاجتماعي.

ثالثا: انسداد الأفق والجدل العقيم نحو تجاوز الثنائيات الضدية

إن الارتهان والانتماء في أحضان الثنائية الأضداد إخباري يجيش الدين وحداثي يمارس رد الفعل يحبس الفكر السياسي والاجتماعي في دائرة مغلقة لا تنتج حقيقة ولا تبني دولة. هيكل يضع الجدل المغلق مقابل التركيب المتقدم في فلسفته الهيكلية، يتطور الفكر والمجتمع عبر الحركة الجدلية الأطروحة تتصادم مع الناقض لتنتج التركيب المتقدم . إلا أن ما يشهده الفضاء العام هو جدل عاطل؛ نقيضان يتغذى كل منهما على وجود الآخر ويستمد منه مشروعيته، دون الوصول إلى أي تركيب مجتمعي يطور المؤسسات ويقيم معايير الكفاءة والمواطنة السيدة رئيسة الحكومة فاطمة الزهراء المنصوري محامية اعتادت تحمل المسؤولية واتخاذ القرارات اعتمادا عن كفاءتها وخبرتها السياسية الميدانية لا تحتاج لا إلى هؤلاء ولا إلى أولئك لابرازها أو التقليل منها كامراة،



إن مناقشة مثل هذه القضايا عن المرأة التي تولت أمر تدبير الشأن العام كرئيسة للحكومة بعقلية القرون الوسطى في عصر الذكاء الاصطناعي ، نحن نعيش في عالم أصبحت فيه القرارات تتخذ بناء على البيانات الضخمة (Big Data) والذكاء الاصطناعي، وفي بيئة معولمة أصبحت فيها التجربة الإنسانية المتبادلة مشاعة ومتاحة للجميع بضغطة عن الزر.

إن هذا السجال المثار والدائر بتلك الطريقة العنيفة باللفظ هو تعبير عن تخلف النخبة السجالية عندما تشغل نخبة سياسية أو إعلامية بجدال بدائي حول جنس المسند إليه المنصب بدل من مناقشة نجاعة حكاميته ورؤيته المستقبلية، فهذا دليل على أن هذه النخبة تعيش اغترابا زمنيا، إنها تستخدم أدوات العصر الرقمي (شبكات التواصل، البث المباشر) بنشاط، لكن بوعي يماثل عهود العزلة والجمود الفكري.

2. أمثلة من التاريخ العالمي وأطروحة الخصوصية والجندر (إشارة إلى الاختلاف الفسيولوجي بين الذكر والانثى)

الاستشهاد بمارغريت تاتشر (المملكة المتحدة)، الملكة إليزابيث الثانية، أو ميغاواتي سوكارنوبوتري (في إندونيسيا أكبر دولة ذات أغلبية مسلمة في العالم)، أو أنجيلا ميركل (ألمانيا)، يثبت بالدليل القاطع أن الإدارة والحكامة قيمة إنسانية مجردةد النجاح أو الفشل السياسي ليس له بكتيريا جينية أو صبغة جندرية، بل ينبع من الرؤية الاستراتيجية، قوة الشخصية، والقدرة على إدارة الأزمات.

إن استمرار هذا السجال في البيئة العربية والشرقية، رغم كل هذه النماذج العالمية والوطنية الملموسة، يؤكد أن القضية ليست عجزا في الإدراك المعرفي، بل هي مقاومة نفسية وأيديولوجية للتحول الطبيعي للواقع.

3. التنميق الاجتماعي وتصنيع التخلف.

إن ما أسميه بالتنميق أو النقاب الاجتماعي هو توصيف دقيق للظاهرة المسرحية الأيديولوجية التي يلعبها كلا الطرفين، من صناعة محكمة للالة الإعلامية، حدث عادي وطبيعي في دولة حديثة يضخم فيها اي حدث عمدا ليشكل حدثا استثنائيا يستدعي الاستقطاب.

الغاية النفعية هذا التنميق الاجتماعي يلبي رغبة هذه النخب في حجز مقاعد في المشهد الإعلامي والسجالي؛ فالحديث عن البرامج الاقتصادية، حلول التضخم، والتحول الرقمي يتطلب معرفة علمية وكفاءة تخصصية لا يمتلكها هواة السجال، بينما توظيف الدين والحداثة السطحية يتيح خطابات سهلة، عاطفية، وجذابة للجماهير.

4. التفاضل وصدمة التكيف لدى النساء والرجال

اتعجب من الانخراط الفعال لبعض النساء والرجال في هذا التفاضل والسجال العقيمين يعود إلى مفهوم التكيف الاجتماعي الناقص

الجزء المحافظ ينطلق من الخوف من فقدان المكتسبات الرمزية والتاريخية للذكورية.

أما الجزء الحداثي رجالا ونساءً فيقع في فخ الاستعراض اللاوعي؛ حيث يمارسون التصفيق أو الهجوم للظهور بمظهر المستنير دون النفوذ إلى جوهر المواطنة الحقيقية.

خلاصة القول الحدث في ذاته عادي، والتخلف ليس في الفعل السياسي بل في طريقة تلقيه وتوظيفه. السجال الراهن ليس إلا زبدا طافحا على سطح واقع يتغير بسرعة هائلة، فالمرأة اليوم مقيدة بمعايير الحكامة والتنافسية العالمية كغيرها من الفاعلين، وما هذا الضجيج إلا سكرات موت لأفكار تجاوزها الزمن والتاريخ والواقع العملي.

التطور التاريخي والتكامل الإنساني، لقد برهن التطور التاريخي للمجتمعات منذ المراحل الأولى لتقسيم العمل وتطور أنظمة الإنتاج على أن أدوار الجنسين ليست قوالب بيولوجية ولا مفاهيم ميتافيزيقية ثابتة، بل هي نتاج تطور مدني واجتماعي مستمر. إن المرحلة المعاصرة تقتضي الانتقال من منطق التناقض والتضاد إلى منطق التكامل والمواطنة؛ حيث يتراجع المنظور الجندري او التمايز على حساب الجنس ،أو الأيديولوجي لصالح دولة المؤسسات والقانون، التي يحاسب فيها المسؤول بناء على برنامجه وحكامته ونتائجه، لا بناء على جنسه أو خلفية المعارك الكلامية للدفاع عنه أو مهاجمته.

خاتمة: في ضرورة تأسيس العقلانية المدنية

إن تجاوز هذه الأزمة الفكرية يقتضي العودة إلى الشجاعة النقدية التي تفكك ألعاب الأيديولوجيا لدى الطرفين. فلن ينصلح الخطاب العام إلا بفك الارتهان بين الدين كقيم جامعة والتوظيف السياسي النفعي للنصوص من جهة، وبين التنوير كقيم إنسانية وعقلانية وبين السجالية الاستئصالية من جهة أخرى. إن بناء مجتمع متوازن ودولة كفاءة يتطلب إخراج قضايا المرأة والمواطنة من مستنقع السجال الأيديولوجي الأجوف المبني على مبدأ الثنائية التناقضية الى مبدأ التكاملية، ووضعها في سياقها الطبيعي مسار تاريخي ومؤسساتي مرجعيته دولة القانون، العقلانية، والمصلحة العامة.

(.) محام بهيئة الرباط


هذا المحتوى مقدم من موقع بالواضح

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من موقع بالواضح

منذ 4 ساعات
منذ ساعة
منذ 5 ساعات
منذ 10 ساعات
منذ 5 ساعات
هسبريس منذ ساعة
Le12.ma منذ 11 ساعة
هسبريس منذ 8 ساعات
هسبريس منذ 7 ساعات
هسبريس منذ 13 ساعة
هسبريس منذ 5 ساعات
هسبريس منذ 7 ساعات
هسبريس منذ 6 ساعات