عبدالله الربيحات عمان- يعيش قطاع الثروة الحيوانية في الأردن حالة من التوتر والقلق، تتصاعد معها الأسئلة حول مستقبل هذا القطاع الحيوي الذي يشكل ركيزة أساسية للأمن الغذائي الوطني، فبين شكوى المربين من ارتفاع تكاليف الإنتاج، ووعود الحكومة بتقديم الدعم، يجد المواطن نفسه في مواجهة أسعار لحوم تجاوزت 12 ديناراً للكيلوغرام الواحد.
الأعلاف والأسعار
وفي السياق، يرى الخبير في الأمن الغذائي الدكتور فاضل الزعبي أن ارتفاع أسعار الأعلاف المستوردة، وخاصة الشعير والنخالة، يعد السبب الرئيسي وراء معاناة مربي الثروة الحيوانية.
وأضاف الزعبي إن قلة الأمطار وتراجع المراعي الطبيعية خلال السنوات الأربع الماضية دفعت المربين إلى الاعتماد بشكل شبه كامل على الأعلاف المستوردة ذات التكلفة المرتفعة، مبينا أن الحكومة تؤكد أنها توزع الأعلاف المدعومة عبر 50 موقعاً في مختلف مناطق المملكة، بنصيب يبلغ 20 كيلوغراماً سنوياً لرأس الغنم، فيما يشكو المربون من أن هذه الكميات غير كافية، وأنهم يضطرون للشراء من السوق المفتوحة بأسعار تفوق قدرتهم الشرائية.
وأشار إلى أن مؤسسة الإقراض الزراعي قدمت قروضاً بقيمة 7.7 مليون دينار استفاد منها 2276 مزارعاً لشراء الأعلاف، كما يجري العمل على مشروع "المجترات الصغيرة" بدعم دولي يهدف إلى تحسين سلالات الثروة الحيوانية ودعم الأسر الريفية، غير أن هذه الجهود تصطدم بواقع أن الأردن لا يغطي سوى 45 % من احتياجاته من اللحوم محلياً، فيما يستورد الباقي من أكثر من 21 دولة.
وتشير تقارير إلى تسرب الشعير المدعوم إلى غير الغايات المخصصة له، مما يفاقم الشعور بعدم عدالة التوزيع.
وقال الزعبي إن الأزمة لا تقتصر على المربين، بل تمتد لتطال المستهلك الذي وجد نفسه أمام أسعار قياسية، إذ تجاوز الكيلوغرام من الخراف البلدية 13 ديناراً، ومن11 - 12 ديناراً للعجول البلدية، مبينا أن بعض كبار المربين يفضلون التصدير لدول الجوار بحثاً عن العملة الصعبة، ما يقلل المعروض المحلي ويرفع الأسعار.
وزاد أن الأزمة ليست مجرد "نقص دعم" أو "ارتفاع تكلفة" كسببين منفصلين، بل هي مزيج معقد من الاثنين معاً، إذ إن تكلفة الإنتاج ترتفع بشكل جنوني، وآليات الدعم لا تصل إلى مستحقيها بالشكل المطلوب.
وتابع الزعبي إنه بقدر ما يحتاج المربي إلى دعم فوري، فإن القطاع يحتاج إلى رؤية إستراتيجية حقيقية تعالج جذور المشكلة، من تحسين المراعي وإدارة الموارد المائية، إلى تطوير سلاسل الإنتاج والتسويق، وضبط الاستيراد والتصدير بما يحمي السوق المحلي، موضحا أن الأمن الغذائي لا يُبنى بالتصريحات، بل بقرارات جريئة توقف النزيف قبل أن ينهار القطاع بالكامل.
مطلوب سياسة متكاملة
من جهته، يرى رئيس جمعية مربي المواشي زعل الكواليت أن تجاوز الأزمة يتطلب سياسة زراعية متكاملة تشمل دعم المربين والمراعي واللقاحات البيطرية، وليس فقط دعماً موسمياً للأعلاف، مؤكدا أن تحقيق الاكتفاء الذاتي يحتاج إلى وقت وتدرج، ومطالبا بتأجيل أقساط القروض وإعفائهم المربين من الفوائد.
فيما بين وزير الزراعة الأسبق سعيد المصري أن الأزمة هي أزمة تكلفة وربحية في الأساس، يخففها الدعم القائم لكنه لا يعالج أسبابها كاملة، مبينا أن القول بأن القطاع بلا دعم غير صحيح، والقول إنه بوجود الدعم يعني أن المربي يجب أن يكون رابحًا غير صحيح أيضًا، والأدق أن نتحدث عن أزمات مختلفة للأغنام والأبقار والدواجن، لا أزمة واحدة بوصفة واحدة.
وأضاف المصري أن الدعم موجود، لكنه ليس متساويًا بين القطاعات، ومثال على ذلك أنه "في قرار كانون الأول (ديسمبر) 2025، كان سعر الشعير المدعوم لمربي الأغنام المسجلين يبلغ 175 دينارًا للطن الواحد، مقابل 245 دينارًا لبقية الفئات المحددة بالقرار؛ وللنخالة 77 دينارًا للأغنام تحديدا مقابل 157 دينارًا للفئات الأخرى، وهذه الأسعار تخص ذلك القرار، وليست تأكيدًا لتسعيرة اليوم، وهي تثبت وجود معاملة تفضيلية واضحة للأغنام، لكنها لا تثبت كفاية الدعم ولا مقدار صافي تكلفته على الخزينة.
وتساءل: كم يخفض الدعم تكلفة إنتاج كيلو اللحم أو الحليب، ولمن يصل، وهل تبقى للمربي ربحية بعده؟
وبين أن سعر طن الشعير وحده لا يكشف حقيقة الأزمة، إذ إن المربي يدفع ثمن العليقة الكاملة، والمياه والنقل والعمالة والعلاج والطاقة والتمويل، ويتحمل خسائر النفوق وضعف التناسل، وقد يبقى سعر الشعير المدعوم ثابتًا، بينما ترتفع فاتورته الإجمالية لأن الرعي الطبيعي أصبح أقل، فيضطر إلى شراء كميات أكبر من الغذاء.
وتابع: "والعكس صحيح، حيث أفاد مربون في الأغوار الشمالية في نيسان (إبريل) 2026 بأن تحسن المراعي خفّض اعتمادهم على الأعلاف المركزة وتكلفة شرائها، وعليه فإن كمية العلف المشترى مسألة أساسية بقدر سعره، والظروف تختلف بين المناطق والمواسم.
وقال المصري إن هناك فرق بين غلاء المدخلات وضعف الإنتاجية، اقتصاديًا، إذ قد يشتري مربيان العلف بالسعر نفسه، لكن تختلف كلفة إنتاجهما كثيرًا بسبب كمية الحليب، وعدد المواليد، وسرعة النمو، والنفوق، وإدارة التغذية.
تحديد المسؤولية
وزاد المصري: "هنا ينبغي الإقرار بأن زيادة الدعم وحدها لا تصلح لتحسين الإنتاجية، وبأنه ليس عدلًا تحميل المربي وحده مسؤولية ضعفها، خصوصا إذا كانت الخدمات البيطرية والإرشاد والتمويل المناسب غير متاحة له"، مبينا أن تحديد المسؤولية يحتاج قياسًا فعليًا على مستوى المزرعة، لا اتهامًا عامًا للمربين أو تبرئة عامة للسياسات.
وأضاف بأن الربحية تتحدد أيضًا بسعر البيع ومن يملك القوة في السوق، إذ ربما تكون المزرعة جيدة الإدارة، ومع ذلك تتضرر إذا انخفض سعر شراء إنتاجها أو تعذر تسويقه، خصوصًا الحليب الذي لا يحتمل الانتظار طويلًا، وبالتالي، فإن ارتفاع سعر اللحم أو الألبان على المستهلك لا يثبت أن المربي يحقق أرباحًا مرتفعة.
ورأى أن المطلوب معرفة توزيع السعر بين المزرعة والتجميع والنقل والتصنيع والتجزئة، كما أن اتهام الوسطاء بالاستحواذ على الأرباح يحتاج بيانات عن الكلف والهوامش؛ لأن فرق السعر وحده ليس دليلًا كافيًا.
وأوضح أن حماية المستهلك لا يجوز أن تُموَّل من خسارة المنتج، لأنه إذا طُلب من المربي المحافظة على سعر منخفض بينما ترتفع كلفته، فلا بد من آلية تعوض الفجوة أو تخفض التكلفة، وإلا يصبح استمرار عمله قائمًا على الاستدانة أو استنزاف أصوله.
وتابع: "وفي المقابل، فإن تقييد الاستيراد بلا حساب قد يرفع فاتورة الغذاء على المواطنين، والمطلوب سياسة استيراد وتصدير مستقرة ومعلنة، تراعي مواسم الإنتاج المحلي وحاجة السوق، وتسمح للمنتج بالتخطيط بدل مواجهة تغييرات مفاجئة."
وقال المصري إنه لا يصح الجزم بحجم الخسائر دون حسابات منشورة، مبينا أن المصادر التي راجعها تثبت وجود الدعم وشكاوى التكلفة والتسويق، لكنها لا تكفي لتحديد نسبة المزارع الخاسرة أو مبلغ الدعم الإضافي اللازم لكل قطاع، ولحسم المسألة.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من صحيفة الغد الأردنية
