محمود الطراونة لا تُقاس فاعلية الحكومة بعدد المواقع التي يصل إليها رئيسها، ولا بعدد الاجتماعات التي تُعقد في الميدان، بل بما يتغير بعد مغادرة المسؤول للموقع، وهل تُحل المشكلة؟ وهل يصل التمويل؟ كما هل يبدأ التنفيذ في موعده؟ وهل يشعر المواطن بأن الخدمة التي طالب بها أصبحت أفضل بالفعل؟
ويضع تقرير رئاسة الوزراء المنشور في 3 تشرين الأول (أكتوبر) 2026 هذه الأسئلة في محل ختبار، بعدما أظهر أن الجولات الميدانية لرئيس الوزراء جعفر حسان شملت 183 موقعاً في مختلف محافظات المملكة خلال عامين، أُنجزت الإجراءات في 125 منها بالكامل، فيما بقي 58 موقعاً قيد الإنجاز، وشملت الجولات 46 بلدية و37 لواءً وخمسة أقضية.
ويمكن قراءة هذه الأرقام وفقا لحجم المتابعة الحكومية، لكنها لا تكفي وحدها للحكم على أثرها التنموي، إذ إن اكتمال الإجراءات في موقع ما لا يعني بالضرورة أن المشكلة التي استدعت الزيارة قد عولجت بصورة مستدامة، كما أن استمرار العمل في موقع آخر لا يعني إخفاقه ما دام ضمن جدول زمني واضح ومعلن.
وهنا، يمكن أن نسأل كم موقعاً زارته الحكومة؟ وكم مشكلة جرى حلها فعلياً، وما الذي تغيّر في مستوى الخدمات والتنمية نتيجة هذه الزيارات؟
سلسلة يجب ألا تنقطع
وتقوم فكرة الحكومة الميدانية على تقليص المسافة بين القرار المركزي والاحتياجات الفعلية للمواطنين، من خلال الاطلاع المباشر على المشكلات، والتحقق من المطالب، وتوجيه المؤسسات المعنية إلى اتخاذ الإجراءات اللازمة.
وتكمن أهمية هذا النهج في قدرته على كشف اختلالات قد لا تظهر بوضوح في التقارير الإدارية، كما أن بعض الاحتياجات المحلية قد تتطلب تنسيقاً بين أكثر من وزارة أو مؤسسة، وهو ما يجعل التدخل المباشر وسيلة لتسريع القرار.
لكن الزيارة لا تمثل بحد ذاتها نهاية الموضوع، فالمشكلة التي تُرصد تحتاج إلى تحديد الجهة المسؤولة عن معالجتها، وتقدير التكلفة، وتأمين التمويل، ووضع جدول زمني، ثم التحقق من التنفيذ وقياس النتيجة.
وإذا وقفت القضية عند إصدار التوجيهات، قد يتحول العمل الميداني إلى نشاط إداري واسع لا ينعكس بالقدر نفسه على جودة الخدمات، أما إذا ارتبطت كل زيارة بخطة تنفيذ ومؤشرات عمل ومتابعة واضحة، فإنها تصبح أداة لتحسين الإدارة العامة، لا مجرد وسيلة للاطلاع على الواقع عن كثب.
الصحة والتعليم.. هل تحسنت الخدمة؟
وبحسب تقرير رئاسة الوزراء، شملت التدخلات 15 مستشفى و26 مركزاً صحياً، تخدم مجتمعة أكثر من 6.5 مليون مواطن، كما تضمنت بناء وإعادة تأهيل 31 مدرسة يستفيد منها أكثر من 23 ألف طالب وطالبة.
وتكشف هذه الأرقام اتساع نطاق التدخلات في قطاعين يرتبطان مباشرة بحياة المواطنين، غير أن أثرها لا يُقاس بعدد المنشآت وحده؛ فالمستشفى لا يحقق غايته بمجرد استكمال أعمال الصيانة، بل بقدرته على توفير الكوادر والأدوية والتجهيزات وتقليل فترات الانتظار وتحسين جودة العلاج.
كما لا تنتهي مشكلة تطوير المدرسة عند تأهيل المبنى أو إضافة المرافق، بل لا بد من الأخذ بالاعتبار، الاكتظاظ والبيئة التعليمية وانتظام العملية التدريسية ونتائج الطلبة.
وهنا تبرز أهمية الربط بين الإنجاز المادي والنتيجة الخدمية، فالمواطن لا يتعامل مع المشروع باعتباره بنداً في خطة حكومية، وإنما من خلال أثره المباشر، وهل أصبح الوصول إلى الخدمة أسهل؟ وهل تحسنت جودتها؟ وهل تراجعت المشكلة التي كانت سبباً في المطالبة بالتدخل؟
ومن دون مؤشرات واقعية حقيقية، تبقى أرقام الإنجاز غير كافية لتفسير التحسن الفعلي في مستوى الخدمة.
ما العائد على اقتصاد المحافظات؟
امتدت التدخلات، وفق التقرير، إلى 33 مصنعاً ومنشأة في القطاعين الزراعي والصناعي، يستفيد منها أكثر من 27 ألف عامل، وإلى تطوير ثمانية مراكز ومعاهد للتدريب المهني والتقني يستفيد منها قرابة أربعة آلاف شاب وشابة، كما شملت الزيارات 19 موقعاً سياحياً.
وعموما فإن هذه التدخلات والزيارات يمكن أن تؤشر إلى العلاقة بين الزيارات الميدانية والتنمية الاقتصادية المحلية، فدعم منشأة إنتاجية قد ينعكس على استمرار وظائف قائمة أو توسيع الإنتاج، وتطوير مركز تدريب قد يحسن جاهزية الشباب لدخول سوق العمل، فيما يمكن لتطوير موقع سياحي أن يرفع جاذبيته ويزيد النشاط الاقتصادي المحيط به.
لكن هذه النتائج ليست ثابتة، فالتسهيلات المقدمة للمصانع لا تعني بالضرورة استحداث وظائف جديدة، كما أن تطوير مركز تدريبي لا يضمن انتقال المتدربين إلى عمل مستمر، ويتطلب قياس الأثر معرفة ما إذا توسع الإنتاج، وكم وظيفة جديدة أُنشئت أو حُفظت، وما نسبة المتدربين الذين التحقوا بالعمل، وكيف انعكست.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من صحيفة الغد الأردنية
