حين أُعلنت مشاريع الأحوال الشخصية، والمعاملات المدنية، والإثبات، والنظام الجزائي للعقوبات التعزيرية، لم يكن المقصود زيادة عدد الأنظمة، بل معالجة أصل المشكلة المتمثلة في تفاوت الأحكام، وعدم وضوح القواعد الحاكمة للوقائع والمعاملات، وطول أمد التقاضي، وغياب إطار واضح لالتزامات الأفراد وقطاع الأعمال.
وقد وصف الأمير محمد بن سلمان ولي العهد رئيس مجلس الوزراء هذه المنظومة بأنها «موجة إصلاح تستهدف قابلية التنبؤ بالأحكام ورفع كفاءة الأجهزة العدلية وموثوقية الإجراءات». وقد أُقر نظام الإثبات والأحوال الشخصية والمعاملات المدنية، فيما يستكمل مشروع النظام الجزائي للعقوبات التعزيرية مساره النظامي. ويتجاوز أثره المرفق العدلي إلى الاقتصاد؛ فوضوح القاعدة القانونية يخفض تكلفة المخاطر ويساعد المستثمر والمتعاقد على تقدير حقوقه والتزاماته.
لكن التشريع، مهما بلغت جودة صياغته، لا يكتمل عند نشره. فاليقين القانوني ثمرة سلسلة تبدأ بالأعمال التحضيرية، وتمر بالتطبيق والقضاء، ثم تتراكم عبر الاجتهاد والفقه والبحث العلمي. والأعمال التحضيرية ليست سجلًا تاريخيًا فحسب، بل مصدرًا يساعد على فهم الغرض التشريعي وسياق اختيار الحكم عند الغموض، دون أن تتقدم على دلالة النص.
وتكشف التجارب المقارنة أهمية هذا التراكم؛ ففي فرنسا تتاح دراسات الأثر والملفات التشريعية، ثم تتراكم فوقها الأحكام القضائية، وتوثق تقارير محكمة النقض اتجاهات التطبيق وإشكالاته، وقد تقترح تعديلات تشريعية عند الحاجة.
وفي الكويت ومصر والأردن، تكاملت النصوص مع المذكرات الإيضاحية والشروح والفقه والاجتهاد القضائي، حتى أصبح التفاعل بينها جزءًا من تطور القانون. فالقانون بعد صدوره يدخل دورة جديدة من التطبيق والتفسير والنقد والتطوير؛ فلا تحل القراءة التنفيذية محل القضاء، ولا القضاء محل الفقه، ولا يغني الفقه عن التطبيق.
والسعودية أمام مرحلةٍ تستلزم تحولًا في وعي القاضي والممارس نحو قراءة أكثر انضباطًا للنص وسياقه ومبادئه، بالانتقال من الاجتهادات المتفرقة إلى منظومة تتكامل فيها دلالة النص، وسياقه التشريعي، وما يستقر عليه القضاء من مبادئ، مع نضج الدراسات الفقهية في التحليل والنقد والمقارنة.
ويقتضي ذلك إتاحة الأحكام النهائية ونشرها بصورة منتظمة وسريعة، وتهيئة مناخ بحثي يتيح قراءتها فقهيًا، وتحليلها فنيًا، ونقد تطبيقاتها بصورة علمية.
غير أن قيمة البحث القانوني لا تكتمل إذا أصبح الشرح الرسمي هو الوعاء الغالب لفهم التشريع. فالجهة التنفيذية معنية بتهيئة شروط التطبيق.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من صحيفة الاقتصادية
