بدأت تداعيات صدمة أسعار الطاقة تتسرب إلى قطاعات واسعة من الاقتصاد الأميركي، مع اتجاه الشركات إلى تمرير ارتفاع تكاليف التشغيل والنقل إلى المستهلكين، ما يزيد الضغوط التضخمية ويعقّد مهمة مجلس الاحتياطي الفيدرالي (البنك المركزي الأميركي) في السيطرة على الأسعار.
ووفقاً لتقرير نشرته وكالة «بلومبرغ»، الجمعة، أظهرت بيانات اقتصادية صدرت هذا الأسبوع ارتفاعات حادة في أسعار عدد من الخدمات خلال سبتمبر، أبرزها تذاكر الطيران وخدمات التوصيل والشحن البري، في ظل صعود أسعار النفط نتيجة الحروب الدائرة خارج الولايات المتحدة.
ورغم أن أسعار المواد الغذائية لم تتأثر بصورة كبيرة حتى الآن، يحذر اقتصاديون من احتمال انتقال ارتفاع تكاليف الوقود والنقل إلى أسعار الغذاء خلال الأشهر المقبلة.
التضخم يتفاقم
أظهرت بيانات مكتب إحصاءات العمل الأميركي ارتفاع مؤشر أسعار المستهلكين في سبتمبر بأسرع وتيرة خلال 5 أشهر، بينما سجلت أسعار المنتجين أكبر زيادة في أكثر من 4 سنوات، في مؤشر إلى تصاعد الضغوط التضخمية على الشركات والمستهلكين.
أسواق النفط تمر بمفارقة.. علاوة المخاطر تشتعل والأسعار تنخفض
وبرز تأثير ارتفاع أسعار الطاقة بصورة خاصة في قطاع النقل، إذ قفزت أسعار تذاكر الطيران بنحو 22% على أساس سنوي، بينما سجلت خدمات التوصيل أسرع زيادة سنوية منذ سبتمبر 2022.
كذلك ارتفع مؤشر أسعار نقل البضائع بالشاحنات بأكثر من 19% مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، وهي أكبر زيادة خلال أكثر من 4 سنوات.
تاثير أسعار النفط
وأكد تقرير «بيج بوك» الصادر عن الاحتياطي الفيدرالي، الأربعاء، اتساع تأثير ارتفاع أسعار النفط في مختلف المناطق الأميركية، مشيراً إلى أن الشركات تواجه زيادة كبيرة في أسعار الديزل، وتفرض رسوماً إضافية على الوقود لنقل هذه التكاليف عبر سلاسل التوريد.
وقالت هيذر لونغ، كبيرة الاقتصاديين في اتحاد «نافي فيدرال» الائتماني، إن التضخم على مستوى الشركات جاء مرتفعاً في جميع الفئات، حتى بعد استبعاد الطاقة، معتبرةً أن انتقال جزء من هذه التكاليف إلى المستهلكين خلال الأشهر المقبلة يبدو أمراً لا مفر منه.
في المقابل، لم تظهر أسعار المواد الغذائية في المتاجر الأميركية حتى الآن تأثيراً واضحاً لارتفاع تكاليف الطاقة، إذ سجلت أسعار البقالة انخفاضاً طفيفاً خلال سبتمبر، مدفوعةً بتراجع أسعار لحوم الأبقار والبيض.
لكن بيانات أسعار المنتجين أظهرت صورة مختلفة، مع ارتفاع أسعار المواد الغذائية بنسبة 1.2% خلال الشهر الماضي، ما يشير إلى ضغوط محتملة قد تنتقل لاحقاً إلى المستهلك النهائي.
وقفزت أسعار الأعلاف الحيوانية المصنعة بنسبة 2.3% على أساس شهري، في أكبر زيادة منذ مطلع 2022، وبنسبة 6.6% مقارنة بسبتمبر 2025.
وقال ستيفن ستانلي، كبير الاقتصاديين لدى «سانتاندير يو إس كابيتال ماركتس»، إن أسعار الغذاء للمستهلكين ارتفعت بوتيرة أقل من الاتجاه المعتاد خلال الأشهر الأخيرة، لكنه توقع أن تظهر آثار ارتفاع تكاليف الإنتاج والنقل لاحقاً.
وأضاف أن انتقال هذه الضغوط إلى أسعار الغذاء استغرق وقتاً أطول مما كان يتوقع، إلا أنه لا يزال يرجح حدوثه في مرحلة مقبلة.
مبيعات التجزئة الأميركية تتجاوز التوقعات في سبتمبر بدعم مشتريات الوقود
عوامل أخرى تغذي التضخم
ولا تقتصر الضغوط السعرية على الطاقة، إذ أظهرت بيانات أسعار المنتجين ارتفاع مؤشر هوامش خدمات تجارة الجملة والتجزئة بنسبة 1.4% خلال سبتمبر، وهو مقياس يستخدمه الاقتصاديون لتقييم قدرة الشركات على رفع الأسعار.
كذلك يسهم الطلب المتزايد على أشباه الموصلات ومواد البناء المستخدمة في إنشاء مراكز البيانات، مدفوعاً بالتوسع في استثمارات الذكاء الاصطناعي، في زيادة أسعار بعض السلع والخدمات.
ومع ذلك، لا يتفق جميع الاقتصاديين على أن صدمة الطاقة تؤدي إلى ارتفاع واسع النطاق في أسعار السلع الاستهلاكية.
وقالت فيرونيكا كلارك، الاقتصادية لدى «سيتي غروب»، إن أسعار بعض المنتجات التي يُفترض أن تتأثر بارتفاع تكاليف الشحن، مثل الأثاث والأجهزة المنزلية، ظلت مستقرة أو سجلت انخفاضاً، ما يشير إلى محدودية انتقال الضغوط حتى الآن.
وأوضحت أن عوامل أخرى، بينها الطلب المرتبط بالذكاء الاصطناعي، تبدو أكثر وضوحاً في بيانات التضخم.
الفيدرالي أمام قرار صعب
تضع هذه التطورات الاحتياطي الفيدرالي أمام معادلة معقدة، تتمثل في احتواء التضخم دون التسبب في تباطؤ اقتصادي حاد، خصوصاً مع ظهور مؤشرات على فتور سوق العمل وتباطؤ نمو الأجور.
ويتوقع المستثمرون أن يبقي البنك المركزي الأميركي أسعار الفائدة دون تغيير خلال اجتماعه المرتقب يومي 27 و28 أكتوبر، بعد رفعها في سبتمبر للمرة الأولى منذ أكثر من 3 سنوات.
لكن بيانات التضخم الأخيرة عززت التوقعات بإمكانية استئناف رفع الفائدة في ديسمبر وخلال العام المقبل، إذا استمرت الضغوط السعرية.
وفي المقابل، تتوقع «سيتي غروب» أن تسجل قراءات التضخم خلال الشهرين المقبلين زيادات شهرية معتدلة نسبياً، وهو ما قد يمنح الفيدرالي مجالاً لتجاوز التأثير المؤقت لارتفاع أسعار الطاقة دون اللجوء إلى تشديد نقدي إضافي.
وترى كلارك أن تباطؤ نمو الأجور وبرودة سوق العمل يجعلان الشركات أقل قدرة على تمرير ارتفاع التكاليف إلى المستهلكين مقارنة بما كانت عليه الحال قبل 5 سنوات.
وبذلك، ستعتمد قرارات الفيدرالي المقبلة بدرجة كبيرة على ما إذا كانت صدمة الطاقة ستظل محصورة في قطاعات النقل والخدمات المرتبطة بالوقود، أم ستتحول إلى موجة تضخمية أوسع تشمل الغذاء والسلع الاستهلاكية، ما قد يفرض إبقاء أسعار الفائدة مرتفعة لفترة أطول.
هذا المحتوى مقدم من إرم بزنس
