تفتح عودة البنك الدولي إلى سوريا باباً جديداً أمام تمويل التعافي وإعادة الإعمار، بعد أكثر من 14 عاماً من توقف أنشطته، لكن قدرة هذه العودة على إحداث أثر اقتصادي ستتوقف على حجم الأموال التي ينجح الصندوق الجديد في حشدها، وآليات إدارتها وتوجيهها إلى المشاريع.
واتفقت سوريا ومجموعة البنك الدولي، في 18 أكتوبر 2026، على إنشاء «صندوق سوريا للانتقال والتعافي» (START)، وهو صندوق ائتماني متعدد المانحين يستهدف تنسيق الدعم الدولي وتوفير التمويل الميسر وضمانات الاستثمار والمساعدة الفنية وبناء القدرات المؤسسية.
وجاء الإعلان على هامش الاجتماعات السنوية لصندوق النقد ومجموعة البنك الدولي في بانكوك، بعد طاولة مستديرة شارك فيها ممثلون عن سوريا والبنك الدولي وشركاء محتملون.
لكن الإعلان لم يتضمن قيمة مستهدفة للصندوق، أو قائمة نهائية بالمانحين، أو مساهمات مالية مؤكدة، أو جدولاً زمنياً لبدء تمويل المشاريع. ولذلك يمثل «START» حتى الآن إطاراً مؤسسياً لحشد الأموال، وليس حزمة تمويل جاهزة بقيمة معلنة.
سوريا تخفّض الجمارك.. هل تعود المصانع وتنخفض الأسعار؟
احتياجات الإعمار تتجاوز قدرة صندوق واحد
تظهر ضخامة التحدي في تقديرات البنك الدولي، الذي وضع كلفة إعادة بناء الأصول المادية المتضررة بين عامي 2011 و2024 ضمن نطاق يتراوح بين 140 و345 مليار دولار، مع تقدير مرجح عند 216 مليار دولار.
ويتوزع التقدير المرجح على 75 مليار دولار لإعادة بناء المساكن، و59 مليار دولار للمنشآت غير السكنية، و82 مليار دولار للبنية التحتية. ولا يشمل الرقم بالضرورة جميع الخسائر الاقتصادية والاجتماعية أو الدخل والإنتاج المفقود خلال سنوات النزاع.
كما قدّر وزير الأشغال العامة والإسكان السوري مصطفى عبد الرزاق، في تصريحات خلال سبتمبر 2025، عدد المنازل المدمرة بنحو مليون منزل، وتحدث عن انتشار واسع للسكن العشوائي. وتبقى هذه أرقاماً حكومية تقديرية لم يتوافر لها تفصيل إحصائي منشور يسمح بالتحقق المستقل منها.
«إيغل هيلز» الإماراتية تعتزم استثمار 17 مليار دولار في سوريا
الصندوق منصة لبناء الثقة وليس بديلاً عن الإصلاح
يرى الأكاديمي والمستشار الاقتصادي السوري زياد أيوب عربش، في حديثه لـ«إرم بزنس»، أن إدارة البنك الدولي للصندوق يمكن أن تحد من تشتت المساعدات وتكرارها، وتساعد على توجيه الأموال إلى أولويات قابلة للقياس وفق إجراءات واضحة.
ويقول عربش إن نجاح الصندوق يتطلب مساءلة مالية وتقارير دورية ورقابة مستقلة، إلى جانب الفصل بين التمويل التنموي والاعتبارات السياسية، حتى لا تخضع المشاريع للمحسوبيات أو تتحول الأموال إلى قناة إنفاق يصعب التحقق من نتائجها.
وبحسب عربش، يمكن للصندوق أن يعمل منصة لبناء الثقة بين سوريا والمانحين، لكن جاذبيته ستعتمد على استعداد المؤسسات السورية لقبول مستوى مرتفع من الرقابة والشفافية. أما إذا خضع التمويل لإدارة داخلية ضيقة، فسيصعب حشد مساهمات دولية كبيرة.
من «جابر» إلى «نصيب».. طفرة تنتظر تجارة العبور بين الأردن وسوريا
الاختبار في تحويل الأموال إلى مشاريع ملموسة
يقول أستاذ الاقتصاد في جامعة دمشق عبد القادر عزوز لـ«إرم بزنس» إن الصندوق يوفر قناة رسمية لإدارة مساهمات المانحين تحت إشراف البنك الدولي؛ بما قد يعزز ثقة المستثمرين في معايير الحوكمة والرقابة ومكافحة الفساد.
لكن تحوله إلى رافعة فعلية لإعادة الإعمار يتطلب، وفق عزوز، تجسير الفجوة بين الإعلانات الأولية والأموال المحولة فعلياً، وتجاوز التعقيدات البيروقراطية، وتوجيه التمويل إلى مشاريع يشعر المواطن بأثرها المباشر في الكهرباء والمياه والإسكان والخدمات الأساسية.
وتكتسب هذه النقطة أهمية خاصة؛ لأن حجم الاحتياجات المقدرة عند 216 مليار دولار يجعل من غير الواقعي انتظار أن يغطي صندوق واحد فاتورة الإعمار كاملة. وتكمن قيمته الأساسية في تنسيق التمويل وتقليل المخاطر وتهيئة مشاريع يمكن لمؤسسات أخرى والمستثمرين تمويلها لاحقاً.
سوريا تصدر أول اعتماد مستندي منذ 14 عاماً لاستيراد النفط من «أرامكو»
البنية التحتية والمشاريع الصغيرة أولويات محتملة
يرى الباحث الاقتصادي في مركز الدراسات والأبحاث الاقتصادية بدمشق أدهم قضيماتي أن «START» يمثل فرصة لتنظيم العلاقة بين الجهات المانحة والحكومة والأطر القانونية الناظمة لتدفق الأموال.
ويشير قضيماتي إلى أن الأولوية يجب أن تتركز على تأهيل البنية التحتية وتأمين المأوى المستدام ودعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة، بما يساعد المدن على استيعاب العائدين ويهيئ البيئة اللازمة لاستعادة النشاط الاقتصادي.
ويعتبر أن نجاح التجربة قد يشجع على إنشاء صناديق إضافية، لكن ذلك يظل رهناً بالنتائج التي يحققها الصندوق الأول ودرجة الثقة في إدارة موارده.
مسار «L602»: بوابة سوريا لإنعاش الطيران وعوائد قياسية متوقعة في 2026
التعهدات تحتاج إلى جداول زمنية وشروط ميسرة
يصف الباحث السوري عبد الرحمن ربوع الصندوق بأنه خطوة محورية يمكن أن توفر تمويلاً ميسراً طويل الأجل وضمانات ائتمانية للمستثمرين ودعماً لإصلاح الخدمات العامة.
لكنه يشدد على أن فاعلية الصندوق ستظل مرتبطة بالتزام المانحين بجداول واضحة لتحويل التعهدات، وتوفير شروط سداد وفترات سماح مناسبة، مع ترشيد الإنفاق العام وتطبيق معايير الحوكمة والشفافية.
ولا تعني «ضمانات الاستثمار» أن الصندوق سيمول جميع المشروعات مباشرة، بل قد تساعد على تقليل جزء من المخاطر التي تواجه المستثمرين والممولين، بما يشجع القطاع الخاص على المشاركة في مشاريع يصعب تمويلها تجارياً من دون ضمانات.
معبر جديدة يابوس الحدودي بين سوريا ولبنان، ريف دمشق، سوريا، 27 فبراير 2027.
وسبق استئناف البنك الدولي نشاطه في سوريا تسديد متأخرات مستحقة بقيمة 15.5 مليون دولار بتمويل من السعودية وقطر في مايو 2025؛ ما أعاد أهلية دمشق للحصول على دعم المؤسسة الدولية للتنمية للمرة الأولى منذ 14 عاماً.
وكان الرئيس السوري أحمد الشرع توقع ارتفاع حجم الاقتصاد من نحو 32 مليار دولار في 2025 إلى 50 مليار دولار في 2026 ثم 60 مليار دولار في 2027، مع طموح للوصول إلى 200 مليار دولار خلال فترة تتراوح بين 5 و10 سنوات إذا استقرت الأوضاع.
كما تحدث عن استهداف استثمارات بقيمة 100 مليار دولار، وعن إعلانات واتفاقات استثمارية بلغت نحو 28 مليار دولار خلال الأشهر الأولى بعد سقوط النظام السابق. وتمثل هذه الأرقام أهدافاً وتصريحات حكومية، ولا تعني أن المبالغ دخلت الاقتصاد أو نُفذت بالكامل؛ إذ شمل جانب منها مذكرات تفاهم ومشاريع ما زالت في مراحل مبكرة.
هذا المحتوى مقدم من إرم بزنس

