تتزايد الضغوط على سوق العمل العراقي في ظل ارتفاع معدلات البطالة واتساع نطاق حضور العمالة الأجنبية، وسط تداعيات تتجاوز حدود التوظيف لتطال الاقتصاد المحلي وتدفقات الأموال إلى الخارج، في وقت تتصاعد فيه المطالب بتشديد الرقابة وتنظيم دخول العمالة الوافدة وإقامتها وعملها.
ويرى خبراء اقتصاد واستثمار عراقيون، تحدثوا لـ«إرم بزنس»، أن سوق العمل في البلاد يواجه «اختبار صعب تتفاقم فيه نسب البطالة ويخسر الاقتصاد إيرادات كبيرة»، مرجعين جانباً من هذه التحديات إلى ضعف الرقابة والضوابط التنظيمية، وما يترتب عليه من اتساع نطاق العمالة الأجنبية غير المسجلة واستمرار تدفق التحويلات المالية إلى الخارج.
العراق ينفذ مسحاً اقتصادياً ويتوقع تراجع البطالة
الخطر قادم
أعاد حديث النائب أحمد داغر الموسوي، عضو لجنة الأمن والدفاع في البرلمان العراقي، عن حجم العمالة الأجنبية في البلاد، ملف البطالة إلى الواجهة. ونقلت صحيفة «الصباح» الحكومية، الثلاثاء، عن الموسوي قوله إن «التقديرات الفعلية والبيانات المشتركة عن حجم العمالة الأجنبية في العراق تشير إلى دخول ما بين مليون إلى مليون ونصف المليون عامل أجنبي من جنسيات آسيوية وإفريقية وعربية وتركية بصورة غير قانونية أو تخلفوا عن المغادرة».
وأضاف: «يطوق أغلب هؤلاء المفاصل التشغيلية الحرفية والخدمية في القطاع النفطي وشركات جولات التراخيص النفطية وقطاع الفندقة والخدمة المنزلية».
وأشار الموسوي إلى أن «حجم التحويلات المالية عبر الأدوات الرسمية وغير الرسمية وتهريب العملة يتجاوز 7 مليارات دولار سنويا بنسبة تمثل 8% مــن الإيرادات النفطية».
وبحسب الموسوي، تكشف هذه الأرقام والإحصائيات عن «فجوة صارخة بين البيانات الرسمية والواقع الميداني إذ توضح بيانات وزارة العمل والشؤون الاجتماعية أن عدد العمالة الأجنبية المسجلة رسمياً لا يتجاوز 47 ألف عامل وأن موسم زيارة المراقد للعام الحالي شهد تخلف نحو 45 ألف زائر أجنبي عن مغادرة البلاد وفقاً لبيانات المنافذ الحدودية».
وفي سياق متصل، تشير بيانات الأمم المتحدة ومنظمة العمل الدولية، بحسب ما نقلته وسائل إعلام عراقية في يوليو الماضي، إلى أن معدل بطالة الشباب في العراق يبلغ نحو 35.8%، أي أكثر من ثلاثة أضعاف معدل بطالة البالغين، في حين لا تتجاوز مشاركة النساء في سوق العمل نحو 10.6%.
وسبق أن أعلنت وزارة التخطيط العراقية، في مايو 2025، انخفاض معدل البطالة إلى نحو 13%، مقارنة بنحو 16% في عام 2022، وهو ما يسلط الضوء على التحديات التي لا يزال سوق العمل يواجهها، لا سيما في ظل دخول أعداد جديدة من الشباب العراقيين سنوياً إلى سوق التوظيف.
اختبار صعب
يرى الخبير الاقتصادي العراقي نبيل جبار التميمي أن سوق العمل في بلاده يواجه ضغوطاً متزايدة نتيجة اتساع نطاق العمالة الأجنبية غير المسجلة، وما تفرضه من منافسة على الوظائف المتاحة للعراقيين.
وقال التميمي، في حديث لـ«إرم بزنس»، إن «سوق العمل العراقي بات أمام اختبار صعب مع هذا النزيف من العمالة غير المسجلة والتي تستحوذ على حصص من السوق».
وأضاف: «العراق للأسف يشكل بيئة كبيرة لاستقبال العمالة الأجنبية غير القانونية، وسط ضعف المحاسبة وإجراءات منح فيزا الدخول المتباينة داخل العراق».
ووفقاً للتميمي، فإن «سياسات عدم التنسيق أدت إلى دخول أفواج من الأجانب، كما أدى ضعف إجراءات الأمن والإقامة إلى بقاء أعداد كبيرة منهم داخل سوق العمل العراقي دون تفويض رسمي بالاقامة والعمل».
وتنعكس هذه الاختلالات، بحسب الخبير الاقتصادي، على فرص التوظيف المتاحة للعراقيين، خصوصاً مع تزايد أعداد الداخلين سنوياً إلى سوق العمل، وما يرافق ذلك من ارتفاع المنافسة على الوظائف.
وفي هذا السياق، قال التميمي: «ساهم اتساع حجم العمالة الأجنبية بالتهام حصة الوظائف الموفرة للعامل والموظف العراقين مما ساهم توافد العمالة لازدياد حجم البطالة المحلية بشكل كبير مع تزايد حجم الداخلين سنويا إلى سوق العمل من العراقيين».
ورغم هذه التحديات، لا يرى التميمي أن وجود العمالة الأجنبية في العراق يخلو من آثار إيجابية على بعض الأنشطة الاقتصادية، إذ أشار إلى أن دخول هذه العمالة أسهم في تطوير طبيعة الأعمال في عدد من القطاعات.
وأوضح أن وجود العمالة الأجنبية في العراق، بحسب التميمي، لا يخلو من « تطوير لطبيعة الأعمال، فشهدت قطاعات السياحة والمطاعم وقطاع البناء تطورا نوعيا في حجم الخدمات المقدمة من قبل العاملين».
وأشار أيضاً إلى أن «العمالة الأجنبية والاحتكاك بينها وبين العمالة العراقية أدى إلى تحسين نوعية مخرجات العمال المحليين وكفاءتهم في المجاليين المذكورين على أقل تقدير».
ويعكس ذلك، وفق هذا الطرح، تباين آثار العمالة الوافدة على الاقتصاد العراقي؛ ففي حين تثير المنافسة على الوظائف والتحويلات المالية إلى الخارج مخاوف بشأن فرص العمل المحلية، فإن وجود العمالة الأجنبية أسهم، في المقابل، في تطوير الخدمات ورفع كفاءة العاملين في بعض الأنشطة، ما يجعل تنظيم هذا الملف أحد التحديات الرئيسية أمام الجهات المعنية.
العمالة الأجنبية
من جانبه، قال عضو الهيئة العامة لمجلس القطاع الخاص واتحاد رجال الأعمال العراقيين، عبد الحسن الزيادي، إن سوق العمل في العراق يواجه تحديات ومعوقات كبيرة، مشيراً إلى أن العمالة الأجنبية تمثل أحد العوامل البارزة المؤثرة في واقع الاقتصاد المحلي.
وأوضح الزيادي، في حديث لـ«إرم بزنس»، أن العراق يحتضن حالياً أكثر من 1.5 مليون عامل أجنبي، ينشط معظمهم في القطاعات الخدمية وغير الإنتاجية، في حين لا يتجاوز عدد العمالة الأجنبية المنتجة في قطاع النفط نحو 500 ألف عامل.
ولفت إلى أن الكلفة المالية لهذه العمالة تُقدّر بنحو 7 مليارات دولار تُحوَّل سنوياً إلى الخارج، بما يشكل ضغطاً إضافياً على الاقتصاد العراقي، لا سيما في ظل الحاجة إلى تعزيز الأنشطة الإنتاجية وتوسيع فرص العمل المحلية.
العراق يخطط لخفض البطالة إلى 4% وتعزيز النمو الاقتصادي
وشدد الزيادي، في الوقت نفسه، على أن الأزمة الراهنة لا ترتبط بالعمالة الوافدة وحدها، موضحاً أن ضعف الضوابط والرقابة التنظيمية يمثل أحد الأسباب الأساسية وراء تفاقم المشكلة، وما يرتبط بها من تحديات اقتصادية وسوقية.
وفي ما يتعلق بحجم البطالة، كشف الزيادي عن وجود أرقام ناهزت 8 ملايين شاب عراقي بلا فرص عمل، بالتزامن مع تفاقم ظاهرة البطالة المقنعة داخل المؤسسات الحكومية، التي تضم أعداداً كبيرة من الموظفين غير المنتجين.
وتشير هذه المعطيات، بحسب الزيادي، إلى أن معالجة أزمة سوق العمل لا تقتصر على تنظيم العمالة الأجنبية، بل تتطلب أيضاً إعادة النظر في آليات تشغيل الموارد البشرية، وتعزيز مساهمة القطاعات الاقتصادية القادرة على توفير وظائف منتجة ومستدامة.
وشدد على أن القضاء على البطالة وإنعاش الاقتصاد يتطلبان توجه الدولة بجدية نحو دعم القطاع الخاص، وتفعيل قطاعي الصناعة والزراعة، إلى جانب تقديم التسهيلات والتمويل اللازم للمشروعات الإنتاجية، بما يساعد على استيعاب الطاقات الشبابية والحد من استنزاف الموارد المالية.
ويضع هذا الواقع سوق العمل العراقي أمام تحديات متشابكة، تجمع بين ارتفاع معدلات البطالة، واتساع نطاق العمالة الأجنبية، وضعف الرقابة التنظيمية، إلى جانب محدودية فرص التشغيل في الأنشطة الإنتاجية. وتبرز، في المقابل، الحاجة إلى سياسات متكاملة توازن بين تنظيم سوق العمل والاستفادة من الخبرات الوافدة، وتوسيع قدرة الاقتصاد المحلي على توفير فرص عمل للعراقيين والحد من تدفقات الأموال إلى الخارج.
هذا المحتوى مقدم من إرم بزنس
