تمضي السعودية في تعزيز دور القطاع الخاص بوصفه شريكًا رئيسيًا في مسيرة التنويع الاقتصادي، مدعومةً بتطور منظومة التمويل التنموي واتساع الفرص الاستثمارية في مختلف القطاعات. وقد بلغت مساهمة القطاع الخاص في الناتج المحلي الإجمالي 51% في 2025، متجاوزةً المستهدف السنوي البالغ 47%، فيما تستهدف رؤية 2030 رفع هذه المساهمة إلى 65%. ومع دخول الرؤية مرحلتها الثالثة، يبرز سؤال المرحلة المقبلة: كيف يمكن للموارد التنموية أن تستقطب أكبر قدر من الاستثمار الخاص؟
تنطلق الإجابة من مبدأ اقتصادي أساسي: لا يُقاس أثر التمويل التنموي بحجم الأموال التي يتيحها فحسب، بل بقدرته على تحفيز استثمارات إضافية لم تكن لتتحقق لولاه، أو كانت ستتحقق بحجم أقل أو بتكلفة أعلى. ويُعرف ذلك بمفهوم "الإضافية الاستثمارية"، الذي يميّز بين التمويل الذي تقدمه الأدوات التنموية والاستثمار الذي تسهم فعليًا في استقطابه. وتكمن أهمية هذا التمييز في أنه ينقل تقييم الأداء من قياس حجم التمويل إلى فهم أثره في النشاط الاقتصادي.
وتختلف آليات قياس الإضافية باختلاف الأداة التمويلية؛ ففي الإقراض المباشر، يُنظر إلى الاحتياج الذي يلبيه التمويل، وفي الضمانات إلى دور تقاسم المخاطر في تيسير الائتمان، أما في الاستثمار في حقوق الملكية ورأس المال الجريء، فيُقاس الأثر بمدى إسهام التمويل في جذب مستثمرين آخرين إلى مشاريع قد تتردد رؤوس الأموال التقليدية في تمويلها. ويتيح هذا النهج تقييمًا أكثر دقة لدور كل أداة في تحفيز الاستثمار الخاص.
وتقدم ضمانات التمويل مثالًا واضحًا على ذلك. فقد أسهم توسع برامج الضمان في المملكة في تعزيز فرص حصول المنشآت الصغيرة والمتوسطة على التمويل، ولا سيما المنشآت التي تمتلك فرصًا واعدة للنمو، لكنها تواجه محدودية في الضمانات أو في تاريخها الائتماني. فالضمان لا يحل محل التمويل المصرفي، بل يتحمل جزءًا من مخاطر الائتمان، بما قد يجعل تمويل منشآت جديدة أو التوسع في أنشطتها أكثر جدوى للممولين.
ولقياس أثر هذه الأداة، يبرز مفهوم السيناريو البديل: هل كان التمويل سيُتاح للمنشأة في غياب الضمان، وبالحجم والتكلفة نفسيهما؟ إذا أتاح الضمان تمويلًا لم يكن متاحًا، أو حسّن شروطه بما مكّن المنشأة من تنفيذ استثمار إضافي، فإن أثره يتجاوز قيمة التمويل المرتبط به إلى النشاط الاقتصادي الذي ساعد على تحقيقه. ومن هنا تبرز أهمية التمييز بين حجم التمويل الذي تغطيه الضمانات وحجم التمويل الإضافي الذي أسهمت في تحفيزه، بما يقدّم صورة أدق عن أثرها التنموي.
ويعتمد نجاح الضمانات كذلك على التوازن في توزيع المخاطر بين الجهة الضامنة والممول. فالتغطية الملائمة قد توسع فرص التمويل، خصوصًا في المراحل الأولى من نمو المنشآت، بينما يساعد احتفاظ الممول بجزء مناسب من المخاطر على الحفاظ على جودة التقييم الائتماني. ومع تراكم البيانات والخبرات، يمكن تحسين تقدير المخاطر وتطوير الحلول التمويلية بما يتناسب مع احتياجات المنشآت في مراحل نموها المختلفة. فالضمان الفعّال لا يرفع المخاطر عن السوق بالكامل، بل يعيد توزيعها بطريقة تتيح تمويل فرص اقتصادية قابلة للنمو.
وتقدم التجربة الأوروبية نموذجًا مهمًا في هذا المجال. فبرنامج "إنفست إي يو" (InvestEU) يستهدف تعبئة أكثر من 372 مليار يورو من الاستثمارات.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من صحيفة الاقتصادية
