يقترب ميناء الناظور غرب المتوسط من بدء تشغيله التجاري التدريجي، حاملاً طموحاً يتجاوز إضافة محطة جديدة إلى خريطة الموانئ المغربية، نحو بناء قطب صناعي ولوجستي وطاقي قادر على إعادة تشكيل اقتصاد المنطقة الشرقية.
وبحسب الجدول المعلن، تبدأ العمليات التجارية في محطة الحاويات الشرقية خلال الربع الأخير من 2026، قبل دخول بقية المرافق الخدمة تباعاً خلال 2027، وتشمل محطة البضائع المدحرجة ومحطة الحاويات الغربية ومحطات البضائع العامة والطاقة والمواد الصلبة.
لكن وصول السفن وارتفاع عدد الحاويات لن يكونا كافيين للحكم على نجاح المشروع. فالاختبار الاقتصادي الأهم يتعلق بقدرة الميناء على جذب المصانع والاستثمارات، وخلق فرص عمل دائمة، وربط المقاولات المحلية بسلاسل التوريد الجديدة.
ويرى الخبير والمستشار في الاقتصاد والتخطيط الاستراتيجي محمد أمين سامي، في حديثه لـ«إرم بزنس»، أن نجاح الميناء يجب ألا يُقاس بعدد السفن أو الحاويات التي يعالجها فقط، بل بمقدار ما يحوله من تدفقات تجارية وطاقية ولوجستية إلى استثمارات إنتاجية وقيمة مضافة تستقر داخل اقتصاد المنطقة.
وأوضح أن هناك فرقاً بين نجاح الميناء تجارياً، ونجاح المركب صناعياً، ونجاح المشروع تنموياً، مؤكداً أن تشييد البنية المينائية يمثل خطوة استراتيجية، لكن التحدي يتمثل في تحقيق التزامن بين تشغيلها وتوطين الصناعة واستكمال شبكات النقل وتكوين الكفاءات واستقطاب الاستثمار المنتج.
موازنة المغرب 2027.. كيف سيكون وضع اقتصاد الأسر مع الضرائب والأسعار؟
من السفن إلى المصانع
يتوقع سامي أن تظهر الآثار الأولى للمشروع في الخدمات المينائية والنقل والتخزين والمناولة والصيانة والأمن الصناعي، قبل أن تنتقل تدريجياً إلى الصناعة التحويلية والخدمات الطاقية والعقار والأنشطة الإنتاجية.
ويعود ذلك إلى أن تشغيل الميناء يخلق طلباً فورياً على الخدمات، بينما تحتاج الاستثمارات الصناعية إلى وقت أطول لاتخاذ قرارات التمويل واختيار المواقع وتجهيز المصانع وتدريب القوى العاملة.
وقال سامي إن الأثر الأول سيكون لوجستياً وخدماتياً، لكن القيمة الاقتصادية الأكبر ستظهر عندما تتحول الحركة التجارية إلى طلب صناعي واستثمارات إنتاجية وفرص عمل دائمة، معتبراً أن المطلوب ليس تحريك البضائع فقط، بل تحريك الاقتصاد الجهوي نفسه.
من جانبه، قال المحلل الاقتصادي المغربي إدريس العيساوي لـ«إرم بزنس» إن الناظور غرب المتوسط يمتلك مقومات جذب خطوط بحرية واستثمارات جديدة من خارج النشاط القائم في الموانئ المغربية، بسبب اختلاف موقعه ووظائفه عن موانئ طنجة المتوسط والدار البيضاء.
وظهرت أولى الإشارات العملية مع دخول شركة «CMA Terminals» التابعة لمجموعة الشحن الفرنسية «CMA CGM» شريكاً بحصة 49% في الشركة المشغلة لمحطة الحاويات الغربية، مقابل 51% لشركة «مرسى المغرب».
ومن المقرر أن تبدأ المحطة عملها تدريجياً خلال 2027، بطاقة سنوية تصل إلى 1.8 مليون حاوية مكافئة، مع رصيف يمتد على 900 متر وساحة تبلغ مساحتها 37.5 هكتار، وفقاً للبيانات الصادرة عن «مرسى المغرب» و«CMA CGM».
ويعتبر العيساوي أن أهمية المشروع لا تقتصر على مناولة الحاويات، إذ يرتبط بمنطقة صناعية ولوجستية يمكنها جذب استثمارات في الطاقة والهيدروجين الأخضر والأمونيا والصناعات التحويلية وتخزين المنتجات النفطية.
وأشار إلى أن توافر مساحات صناعية بالقرب من الأرصفة يمنح الناظور ميزة أمام بعض موانئ جنوب أوروبا التي تواجه ارتفاعاً في كلفة العقار والإنتاج، كما يسمح للمصانع بخفض تكاليف نقل المواد والمنتجات بين مواقع التصنيع والسفن.
ملعب المغرب العملاق بـ1.4 مليار دولار.. أي عائد لهذا الاستثمار الضخم؟
تكامل مع طنجة المتوسط
يدفع دخول ميناء ضخم جديد إلى طرح تساؤلات بشأن احتمال منافسته طنجة المتوسط، لكن الخبيرين يتفقان على أن القيمة الأكبر ستتحقق إذا عمل الميناءان ضمن منظومة وطنية متكاملة تستقطب نشاطاً جديداً، بدلاً من نقل الخطوط البحرية والاستثمارات القائمة من موقع مغربي إلى آخر.
وقال سامي إن التكامل يجب أن يكون تجارياً من خلال استقطاب خدمات وأسواق جديدة، وصناعياً عبر بناء سلاسل قيمة تربط المنصات الصناعية في الشمال الغربي بالمنطقة الشرقية، ومؤسسياً من خلال تنسيق مشروعات البنية التحتية والربط متعدد الوسائط.
وتكشف تجربة طنجة المتوسط أن العائد الاقتصادي للميناء لا يتوقف عند الحاويات. فقد عالج المجمع أكثر من 11.1 مليون حاوية مكافئة خلال 2025، بينما استقطبت منصته الصناعية استثمارات خاصة بقيمة 17.13 مليار درهم، أي نحو 1.87 مليار دولار، خلال العام نفسه.
وتضم المنظومة الصناعية التابعة لمجموعة طنجة المتوسط أكثر من 1500 شركة، وترتبط بنحو 145 ألف وظيفة، ما يقدم نموذجاً لما يمكن أن يحققه الناظور إذا نجح في بناء قاعدة صناعية وخدمية حول مرافقه.
ويرى العيساوي أن طنجة المتوسط سيحافظ على قوته في تجارة العبور وصناعة السيارات واللوجستيات، بينما يستطيع الناظور تطوير تخصص أكبر في الطاقة والصناعات الثقيلة والمستودعات الذكية والصناعات التصديرية، إضافة إلى بناء السفن وصيانتها وتدوير الحاويات وهياكل طاقة الرياح.
ميناء الناظور في شمال المغرب الذي سيحتضن منشآت لتخزين الغاز المسال
المصدر: موقع شركة الموانئ المغربية، مرسى
وظائف المنطقة ليست مضمونة تلقائياً
تظهر أحدث حصيلة متاحة للمركز الجهوي للاستثمار في جهة الشرق أن اللجنة الجهوية وافقت خلال 2025 على 194 مشروعاً بقيمة تتجاوز 23 مليار درهم، ما يعادل نحو 2.52 مليار دولار، مع توقع خلق أكثر من 14 ألف فرصة عمل.
لكن هذه الأرقام لا تعني أن فوائد الميناء ستصل تلقائياً إلى السكان والمقاولات الصغيرة. إذ يحذر سامي من «مفارقة النجاح المينائي والفشل التنموي»، عندما ينجح الميناء في جذب السفن وعمليات إعادة الشحن، بينما يبقى ارتباطه ضعيفاً بالإنتاج والتوظيف والدخل المحلي.
وأوضح أن الميناء قد يسجل حركة مرتفعة وتحقق الشركات المشغلة عائدات مهمة، لكن الأثر الجهوي يظل محدوداً إذا لم تنشأ حوله منظومات صناعية وخدمية مرتبطة بالمقاولات المحلية.
ودعا العيساوي إلى منح الأولوية لتأهيل أبناء المنطقة للوظائف التي يحتاج إليها الميناء، وإشراك المقاولات الصغيرة في عقود التموين والصيانة والنقل والحراسة والخدمات الرقمية، مع توجيه جزء من العائدات المحلية إلى تطوير الطرق والمياه والكهرباء والمدارس والخدمات الصحية.
كما توقع أن يؤدي المشروع إلى زيادة الطلب على المستودعات والأراضي الصناعية والمحلات التجارية والسكن في الناظور والمناطق المجاورة، لكنه شدد على ضرورة ألا يقتصر هذا النشاط على ارتفاع أسعار العقارات، بل أن يرتبط بتوسع إنتاجي وخدمي فعلي.
ويبقى الربط البري والسككي أحد الاختبارات الرئيسة للمشروع. فبحسب سامي، قطعت المنشآت المينائية أشواطاً متقدمة، لكن منظومة الربط الداخلي لم تكتمل بعد، ما يجعل التزامن بين جاهزية الأرصفة والطرق والسكك الحديدية والمناطق الصناعية شرطاً أساسياً لخفض كلفة وصول البضائع إلى المصانع والأسواق.
فالمؤشر الحقيقي لنجاح الناظور غرب المتوسط لن يكون عدد الحاويات وحده، بل حجم القيمة التي تنتقل من السفن إلى المصانع، ومن الاستثمارات الكبرى إلى المقاولات المحلية وفرص العمل والدخل داخل المنطقة الشرقية.
هذا المحتوى مقدم من إرم بزنس

