سلطان المعاني يكتب: الوعي الموزع

تحولًا عميقًا في علاقته بعقله وذاكرته والعالم المحيط به، حتى أصبح السؤال عن موضع الوعي أكثر تعقيدًا مما كان عليه في الماضي. فقد اعتدنا أن ننظر إلى العقل باعتباره مركز التفكير والتذكر واتخاذ القرار، وأن ننسب إليه ما ينتجه الإنسان من معرفة وتصورات وأحكام. غير أن تاريخ التجربة الإنسانية يكشف عن امتداد متواصل للقدرات المعرفية خارج الجسد، بدأ بالأدوات والعلامات واللغة، واتسع بالكتابة والمؤسسات، ثم بلغ مع الثورة الرقمية مستوى أصبحت فيه الآلات تشارك الإنسان في تنظيم معرفته وتوجيه انتباهه وترجيح اختياراته.

بدأت الحكاية يوم وضع الإنسان علامة على صخرة ليهتدي بها إلى طريق، أو رسم حيوانًا على جدار كهف، أو ابتكر رمزًا يحتفظ من خلاله بخبرة أراد نقلها إلى الآخرين. كان يودع شيئًا من ذاكرته في

المحيط به، ويمنح الأشياء قدرة على حمل المعنى بعد غيابه. وحين ظهرت الكتابة اتسعت هذه القدرة، وأصبحت المعرفة قابلة للانتقال بين الأجيال والأمكنة، واستطاعت المجتمعات الاحتفاظ بما يتجاوز قدرة الأفراد على التذكر. وهكذا أخذ العقل الإنساني يمد حضوره في الأشياء التي يصنعها، ويستعيد منها ما يحتاج إليه في فهم

وتنظيم حياته.

وتطور هذا الامتداد مع نشوء المدن والمؤسسات والتعليم، فأصبحت المعرفة موزعة بين الأشخاص والوثائق والمكتبات والخبرات المتراكمة. وكان الفرد يستعين بما أنتجه الآخرون ليكمل ما يعرفه، ويعتمد على أنظمة اجتماعية وثقافية توفر له المعلومات وتساعده في اتخاذ القرارات. وقد أصبح العقل، من هذه الزاوية، جزءًا من شبكة واسعة تتفاعل فيها الخبرة الفردية مع الذاكرة الجماعية والأدوات التي صنعها الإنسان عبر تاريخه الطويل.

وتمنح التقنيات الحديثة هذا الامتداد أبعادًا أكثر تعقيدًا. فالهاتف الذي نحمله يحتفظ بأسماء الأشخاص وأرقامهم ومواعيدنا وصورنا ورسائلنا ومسارات تنقلنا. ومحركات البحث تستعيد معلومات غابت عن الذاكرة، والمنصات الرقمية تقترح ما نقرأه ونشاهده ونتابعه، بينما تشارك أنظمة الذكاء الاصطناعي في تحليل المعلومات وصياغة الأفكار وإنتاج النصوص. وأصبح الإنسان يعتمد في كثير من أعماله اليومية على منظومات رقمية تتداخل مع تفكيره وذاكرته واختياراته.

ويظهر التحول الأكثر إثارة حين تنتقل التقنية من حفظ المعرفة واسترجاعها إلى التأثير في ترتيب اهتمامات الإنسان وتشكيل تصوراته. فالخوارزمية التي تختار الأخبار والصور والمقاطع المعروضة أمامه تشارك في تحديد المجال الذي يرى

من خلاله. وقد يعتقد الفرد أن اهتماماته تنبع كاملة من ميوله الخاصة، بينما تكشف عاداته الرقمية عن تأثير متبادل بين رغباته السابقة والمحتوى الذي يتكرر عرضه عليه. وهكذا يغدو الانتباه نفسه مجالًا للتفاعل بين الإنسان والمنظومات التي تتعلم من سلوكه وتعيد توجيهه.

ويكشف هذا الواقع عن صورة جديدة يمكن تسميتها «الوعي الموزع»، حيث تتوزع بعض

التفكير والذاكرة والانتباه بين الإنسان والأدوات التي يستعين بها. وتبقى التجربة الذاتية للوعي مرتبطة بأسئلة أعمق تتعلق بالشعور والإدراك والإحساس بالذات. أما التحول الذي نعيشه فيظهر بوضوح في اعتماد الإنسان المتزايد على وسائط خارجية تشارك في إنتاج معرفته وتنظيم نشاطه العقلي. وتكمن أهمية هذا المفهوم في إدراك أن الأدوات التي.....

لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


هذا المحتوى مقدم من وكالة أنباء سرايا الإخباريه

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من وكالة أنباء سرايا الإخباريه

منذ 6 ساعات
منذ 9 ساعات
منذ ساعة
منذ 9 ساعات
منذ 9 ساعات
منذ 11 ساعة
قناة رؤيا منذ 6 ساعات
خبرني منذ 9 ساعات
وكالة عمون الإخبارية منذ 4 ساعات
خبرني منذ 11 ساعة
خبرني منذ 6 ساعات
وكالة عمون الإخبارية منذ 18 ساعة
وكالة عمون الإخبارية منذ 8 ساعات
خبرني منذ 7 ساعات