تخيل طفلاً في التاسعة من عمره؛ يتمتع بذكاء طبيعي، ويذهب إلى المدرسة بانتظام، ويبدو قادراً على الحديث، واللعب مع أقرانه. لكنه عندما يُطلب منه شرح ما حدث في يومه الدراسي، أو سرد قصة، أو تنفيذ تعليمات متعددة الخطوات، يجد صعوبة واضحة، وقد يتوقف طويلاً بحثاً عن الكلمة المناسبة.
في المدرسة قد يصفه المعلم بأنه قليل التركيز، أو ضعيف التحصيل، بينما يرى والداه أنه لا يبذل الجهد الكافي. وربما يُفسَّر سلوكه على أنه خجل، أو عدم اهتمام، دون الانتباه إلى احتمال وجود اضطراب لغوي يؤثر في قدرته على الفهم، والتعبير، والتعلم.
هذه الصورة قد تعكس ما يُعرف باضطراب اللغة النمائي (Developmental Language Disorder - DLD)، وهو اضطراب شائع، ولا يزال الوعي المجتمعي به محدوداً، رغم تأثيراته الممتدة في التعلم، والتواصل، والعلاقات الاجتماعية.
وقد أعاد اليوم العالمي للتوعية باضطراب اللغة النمائي -الذي وافق السادس عشر من أكتوبر (تشرين الأول) الحالي- تسليط الضوء على هذا الاضطراب. فكيف نميز بين التأخر اللغوي العابر والاضطراب المستمر؟ ولماذا يصعب اكتشافه أحياناً؟ وهل يمكن أن يعاني الطفل منه رغم قدرته على الكلام؟
للإجابة عن هذه التساؤلات، التقت «صحتك» بالدكتور وائل عبد الخالق الدكروري، رئيس قسم اضطرابات التواصل في شركة «عوين الطبية» بالرياض، والأستاذ المشارك بكلية الطب في جامعة الفيصل، والمتخصص في اضطرابات التواصل ولغة الطفل، وزميل الجمعية الأميركية للنطق واللغة والسمع (ASHA).
اضطراب شائع وغير معروف
يوضح الدكتور وائل أن اضطراب اللغة النمائي أكثر شيوعاً مما يتصور كثيرون؛ فقد أظهرت دراسة بريطانية واسعة، نُشرت عام 2016 في مجلة «علم نفس الطفل والطب النفسي»، أن نحو 7.6 في المائة من الأطفال في سن الالتحاق بالمدرسة يعانون هذا الاضطراب، أي ما يقارب طفلاً واحداً من كل 13 طفلاً.
ويُقصد بهذا الاضطراب وجود صعوبات مستمرة في اكتساب اللغة، واستخدامها، حيث تؤثر في التواصل، أو التعلم، أو المشاركة الاجتماعية، ولا يمكن تفسيرها بحالة طبية معروفة، مثل فقدان السمع، أو الإعاقة الذهنية. وقد تشمل هذه الصعوبات فهم الجمل، واستخدام المفردات، وسرد الأحداث، ومتابعة المحادثات المعقدة.
ولا يعني اضطراب اللغة النمائي بالضرورة انخفاض الذكاء؛ فقد يمتلك الطفل قدرات جيدة في مجالات عديدة، بينما يعجز عن التعبير عما يعرفه بالكلمات. وقد تكون معرفته الفعلية أكبر مما يستطيع إظهاره في الاختبارات، أو المواقف التي تعتمد على الإجابات اللفظية.
متى يكون التأخر اللغوي عابراً، ومتى يصبح اضطراباً؟ يشير الدكتور وائل إلى أن بعض الأطفال يتأخرون في اكتساب اللغة خلال سنواتهم الأولى، ثم يلحقون بأقرانهم. أما استمرار الصعوبات، وتأثيرها الملحوظ في الفهم، أو التعبير، أو التعلم، فإنه يستدعي تقييماً متخصصاً. ولا يكفي عمر الطفل، أو عدد الكلمات التي يستخدمها وحدهما للتمييز بين الحالتين؛ بل تؤخذ في الاعتبار طبيعة الصعوبات، وشدتها، وتأثيرها في حياته اليومية.
ومن العلامات التي تستحق الانتباه صعوبة فهم التعليمات المناسبة للعمر، أو محدودية المفردات، أو العجز المتكرر عن تكوين جمل مترابطة، وسرد أحداث بسيطة. ولا تعني هذه العلامات وحدها وجود اضطراب، لكنها تستدعي استشارة متخصص، خصوصاً إذا استمرت، أو أثرت في تواصل الطفل، وتعلمه.
لماذا لا نكتشفه مبكراً؟ يرتبط تأخر اكتشاف الاضطراب بالاعتقاد بأن الطفل الذي يتحدث بوضوح لا يمكن أن يعاني مشكلة لغوية. لكن الكلام واللغة ليسا شيئاً واحداً؛ فالكلام يتعلق بإنتاج الأصوات، ونطق الكلمات، بينما تشمل اللغة فهم المعاني، وتنظيم الأفكار، وبناء الجمل، واستخدامها. وقد ينطق الطفل الأصوات بصورة صحيحة، لكنه يجد صعوبة في فهم سؤال طويل، أو استخلاص الفكرة الرئيسة من قصة.
وغالباً ما تظهر هذه الصعوبات بوضوح عند دخول المدرسة، حيث تتزايد المتطلبات اللغوية. فالطفل الذي يستطيع إجراء محادثة يومية بسيطة قد يعجز عن فهم المسائل الرياضية المكتوبة، أو تفسير النصوص، أو كتابة موضوع مترابط. ولذلك فإن سلامة النطق لا تعني بالضرورة سلامة النمو اللغوي.
ويوضح الدكتور وائل أن اللغة تتجاوز تبادل الكلمات، والجمل؛ فهي وسيلة للتفكير، وتنظيم الخبرات، والتعبير عن المشاعر، وحل المشكلات، ومن خلالها يتعلم الطفل، ويبني علاقاته الاجتماعية. ولهذا قد تنعكس الصعوبات اللغوية على جوانب متعددة من حياته؛ فقد يقرأ الكلمات بصورة صحيحة دون فهم النص، أو يعرف الإجابة، لكنه يعجز عن صياغتها، أو يجد صعوبة في متابعة حديث أصدقائه، وفهم التلميحات.
وقد تُفسَّر هذه المظاهر خطأً على أنها ضعف في الانتباه، أو مشكلات سلوكية، مما يؤكد أهمية فهم طبيعة الصعوبات قبل الحكم على قدرات الطفل. وقد يؤدي سوء تفسيرها إلى تراجع ثقته بنفسه، خاصة عندما تتكرر مطالبته بأداء مهام لغوية تفوق قدراته الحالية دون تقديم المساندة اللازمة.
صعوبة فهم التعليمات المناسبة للعمر أو محدودية المفردات أو العجز المتكرر عن تكوين جمل مترابطة... علامات تستحق الانتباه
التشخيص... والتدخل المناسب
هل يختفي الاضطراب مع التقدم في العمر؟ من المعتقدات الشائعة أن الطفل سيتجاوز الصعوبات اللغوية تلقائياً مع تقدمه في العمر. ويوضح الدكتور وائل أن بعض الأطفال المتأخرين لغوياً يلحقون بأقرانهم، لكن اضطراب اللغة النمائي قد يستمر خلال الدراسة، والمراهقة، وحتى البلوغ. وقد تبدأ الصعوبات في المفردات، وتكوين الجمل، ثم تظهر لاحقاً في فهم النصوص المعقدة، والتعبير الكتابي، والتواصل الاجتماعي.
ولا يعني استمرار.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من صحيفة الشرق الأوسط
