العالم فوق برميل بارود والشرارة لا تحتاج إلى إذن

بقلم: محمد منذر ورد

كلما تابعت أخبار العالم، وجدت نفسي أمام الصورة ذاتها: برميل بارود تتراكم حوله أسباب الانفجار، وأيدٍ كثيرة تقترب منه بالنار، وكل يد تعتقد أنها تعرف المسافة الآمنة. وفي رأيي، هنا تكمن الخطورة؛ فإذا كان برميل البارود جاهزًا، فإن أي شرارة قد تكفي لإشعاله، حتى لو لم يكن صاحبها يريد حريقًا كبيرًا.

أتنقل بين أخبار أوروبا والشرق الأوسط وآسيا، فأشعر أن المسافات التي تفصل هذه المناطق على الخريطة أكبر بكثير من المسافات التي تفصل أزماتها. فما يحدث في جبهة قد يغيّر حسابات جبهة أخرى، وما يُقال على طاولة تفاوض قد يظهر أثره في أسعار الطاقة، وحركة السفن، وقرارات التسليح. ولهذا، لم أعد أرى هذه الأزمات قصصًا منفصلة؛ إنها فصول متداخلة، وإن اختلفت أسبابها وأطرافها.

في أوروبا، أتابع استمرار المواجهة حول أوكرانيا، وأرى كيف أصبح أمن القارة مرتبطًا بمآلات هذه الحرب. ففي السادس والعشرين من أكتوبر، جدد حلف شمال الأطلسي دعمه لكييف، وربط ذلك بأمن أوروبا على المدى الطويل. وبعد أيام، تحدث الرئيس الروسي فلاديمير بوتين عن الرغبة في تحسين العلاقات مع الأوروبيين، لكنه أكد في الوقت نفسه استعداد بلاده للحرب، محذرًا من تصعيد لن يخرج منه أحد منتصرًا. وبين الرسالتين أجد المشهد الذي يقلقني: باب الحوار مفتوح، لكن الجميع يقف أمامه مستعدًا للأسوأ.

وحين أتجه بنظري إلى العلاقة بين الولايات المتحدة والصين، أجد صورة أخرى لهذا التشابك. فالتنافس على النفوذ لا ينفصل عن التجارة والتكنولوجيا، وملف تسليح تايوان يتداخل مع حسابات التهدئة بين واشنطن وبكين. وقد أظهرت التقارير الأخيرة كيف أصبح توقيت الموافقات الأمريكية على صفقات السلاح مرتبطًا أيضًا بحسابات العلاقة مع الصين. أقرأ ذلك فأرى أن القرارات الأمنية والاقتصادية باتت تتحرك على الطاولة نفسها، وأن أي خطأ في الحساب قد تتجاوز كلفته حدود المنطقة.

أما في الشرق الأوسط، فإن المسألة أقرب إلينا من أن نتابعها بوصفها أخبارًا بعيدة. هنا تعيش أسرنا، وتُبنى أعمالنا، وتكبر أحلام أبنائنا. ولهذا أرى أن الحديث عن التصعيد ينبغي أن يبدأ من حياة الناس؛ من حقهم في الأمان، والعمل، والتعليم، والتخطيط للغد، قبل أن يتحول إلى نقاش عن مكاسب الدول وخسائرها.

وقد لفتني اجتماع مسؤولين من السعودية وتركيا وباكستان مع الجانب الإيراني في طهران، في السادس والعشرين من أكتوبر، لبحث التهدئة وسط استمرار التصعيد الإقليمي. بالنسبة إليّ، تكشف هذه الخطوة أن الترتيبات الدفاعية، مهما اتسعت، لا تغني عن التفاوض. فالدول تحتاج إلى حماية نفسها، لكنها تحتاج أيضًا إلى طريق يمنع اتساع المواجهة ويتيح الخروج منها.

وهنا أتوقف عند التحالفات. أعتقد أننا نخطئ حين نقرأ العالم باعتباره فريقين ثابتين؛ أحدهما في مواجهة الآخر إلى النهاية. فالعلاقات الدولية أكثر تعقيدًا: قد تجمع المصالح الاقتصادية دولتين تختلفان أمنيًا، وقد يلتقي خصمان على تسوية محددة، وقد يختلف حليفان على حدود الدعم وكلفته. لذلك، حين أسمع إعلانًا عن تحالف أو شراكة، أسأل نفسي: ما الذي يجمع أطرافه؟ وإلى أي حد يستطيع الصمود عندما تصبح المصالح متعارضة؟

لا أقلل من أهمية التحالفات في حماية الدول وردع الاعتداءات، لكنني لا أراها ضمانة مطلقة للسلام. فقد تمنع حربًا إذا أوضحت كلفتها، وقد تسهم في توسيعها إذا تحولت التزاماتها إلى سلسلة من الردود المتتابعة. وما يقلقني هو أن يظن أي طرف أن وجود حلفاء خلفه يمنحه مساحة مفتوحة للمغامرة.

وبرأيي، فإن أخطر اعتقاد يمكن أن يحكم القرار السياسي هو أن إشعال مواجهة محدودة يعني القدرة على التحكم في نهايتها. تبدأ الحسابات أحيانًا بضربة محسوبة، ثم يأتي رد أشد، ويصبح التراجع محرجًا، وتدخل الهيبة في المعادلة. وفي كل مرحلة، يجد طرف ما سببًا ليقول إن الخطوة التالية ضرورية، حتى يصل الجميع إلى مكان لم يكن ضمن خططهم الأولى.

لهذا لا أتصور الشرارة دائمًا في صورة إعلان حرب كبير. فقد تكون حادثًا عسكريًا، أو ضربة تُخطئ هدفها، أو معلومة غير دقيقة تُبنى عليها قرارات خطيرة. وحين تنعدم الثقة، يصبح تفسير النوايا أصعب، ويقرأ كل طرف تحركات الآخر من زاوية الخطر الذي يخشاه.

وما يزيد قلقي أن تداعيات الحريق لا تتوقف عند الحدود. فاضطراب الملاحة يصل إلى كلفة النقل والتأمين، ثم يظهر في أسعار السلع وفي حسابات المؤسسات والأسر. والتقارير عن التهديدات والهجمات في مضيق هرمز تُظهر بوضوح كيف تتحول المواجهة العسكرية إلى ضغط على حركة التجارة والطاقة. هكذا يجد المواطن نفسه يدفع جزءًا من فاتورة قرار لم يشارك في اتخاذه.

ومن موقعي عربيًا، أرى أننا بحاجة إلى قراءة هذه التحولات بقدر أكبر من الاستقلال والواقعية. مصلحتنا أن نحمي أوطاننا، وأن نعزز تعاوننا، وأن نبني اقتصادًا قادرًا على تحمل الأزمات، وأن ننوع شراكاتنا من دون التفريط بقرارنا. وأرى في الوساطة والحوار أدوات قوة حين تنجح في حماية الناس وتجنيب المنطقة مواجهة جديدة.

لا أكتب هذا لأنني أعتقد أن حربًا عالمية أصبحت حتمية. فما تزال هناك مصالح تدفع إلى التهدئة، وكلفة هائلة تجعل قادة الدول يترددون قبل المواجهة المباشرة. لكنني لا أرى أن الخوف من الخسارة وحده يكفي لبناء سلام دائم. السلام يحتاج إلى معالجة أسباب النزاع، واحترام سيادة الدول، وحماية المدنيين، وتسويات يمكن للأطراف الالتزام بها.

كل ما أخشاه أن ينشغل العالم طويلًا بسؤال: من سيطلق الشرارة؟ وينسى أن يسأل: من راكم كل هذا البارود؟

أما قناعتي، فهي أن القائد الذي يجنب شعبه حربًا يستحق التقدير بقدر من يحمي وطنه عند وقوعها. فالشعوب لا تعيش على بيانات الانتصار وحدها؛ إنها تحتاج إلى بيوت آمنة، وأرزاق مستقرة، ومستقبل لا يظل معلقًا على خبر عاجل.

إذا كان برميل البارود جاهزًا، فأي شرارة قد تشعله لكن أحدًا لا يستطيع أن يضمن أين ستتوقف النار..

نسخ الرابط


هذا المحتوى مقدم من مجلة المشرق العربي

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من مجلة المشرق العربي

منذ 9 ساعات
منذ 10 ساعات
منذ 3 ساعات
منذ 39 دقيقة
صحيفة الشبيبة منذ 7 ساعات
صحيفة الشبيبة منذ 10 ساعات
عُمان نيوز منذ 7 ساعات
عُمان نيوز منذ 3 ساعات
وكالة الأنباء العمانية منذ ساعتين
صحيفة الرؤية العمانية منذ 11 ساعة
وكالة الأنباء العمانية منذ 8 ساعات
صحيفة الرؤية العمانية منذ 8 ساعات