تعقيباً على الصرخة التربوية المحقّة التي تضع النقاط على الحروف وتؤكد أن "سقوط المدرسة يبدأ من عتبة البيت"، لا بد لنا أن نخطو خطوة إضافية نحو عمق المشكلة.
إن الاعتراف بمسؤولية الأسرة هو بداية الحل، لكن التحدي الأكبر اليوم يكمن في السؤال : لماذا تخلّت البيوت عن دورها؟ وما الذي سرق الأبناء من حضن التربية الأسرية؟
الحقيقة الواضحة أن البيوت لم تعد مغلقة كما كانت؛ لقد اقتحمتها "المشتتات الرقمية" عبر شاشات صغيرة يمسك بها الأطفال قبل أن يتعلموا القراءة.
في الماضي، كانت كلمة "عيب" مدعومة ببيئة مجتمعية متجانسة، أما اليوم، فإن الطفل يتلقى قيماً موازية وهجينة من "مؤثرين" وصنّاع محتوى يُمجّدون التمرد، ويسخرون من وقار المعلم، ويجعلون من التطاول على الكبير نوعاً من "الكاريزما" والذكاء الشقي.
هذا الاختراق الرقمي جعل التربية الحديثة "جهاداً يومياً". فالأهل لم يعودوا يربّون بمفردهم، بل تزاحمهم في ذلك خوارزميات مصممة لجذب الانتباه وعزل الأبناء خلف جدران افتراضية.
وهنا تكمن المفارقة : لقد تحول البيت في كثير من الأحيان من حصن للتربية إلى مجرد "فندق" للنوم وتناول الطعام ومحطة لشحن الهواتف!
بالأرقام: الثمن السلوكي للانفلات الرقمي
لم يعد الحديث عن أثر الشاشات مجرد مخاوف عفوية أو مبالغات تربوية، بل هو حقيقة علمية ترصدها كبرى المؤسسات الطبية والبحوث العالمية الصادرة حديثاً:
الانفلات السلوكي والتمرد: كشفت دراسة مرجعية ضخمة نُشرت في مجلة (JAMA Pediatrics) الطبية، شملت نتائجها أكثر من2.8 مليون طفل ومراهق، إن الارتفاع المفرط في استخدام الشاشات يرتبط ارتباطاً وثيقاً بظهور سلوكيات خارجية منفلتة تشمل التمرد وتعمّد خرق القوانين والأنظمة والمواجهة السلبية مع المحيطين.
أزمة السلوك والعدوانية: وفقاً لبيانات المسح الوطني للمقابلات الصحية (NHIS)، فإن المراهقين الذين يتجاوزون ساعتين من الاستخدام الترفيهي اليومي للشاشات يرتفع لديهم خطر الإصابة بمشكلات السلوك والاضطرابات المسلكية بنسبة 73% مقارنة بأقرانهم.
الإدمان وفقدان السيطرة: أكدت منظمة الصحة العالمية (WHO) في أحدث تقاريرها لعام 2024 أن أكثر من 11% من المراهقين يُظهرون سلوكيات إدمانية واضحة تجاه وسائل التواصل الاجتماعي، ويواجهون عجزاً تاماً في التحكم بأنفسهم، مما ينعكس على تراجع احترامهم للحدود والواجبات اليومية.
تدمير المهارات والتحكم الذاتي: يرصد تقرير مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها الأمريكية (CDC) الصادر لعام 2025 أن أكثر من نصف المراهقين يقضون ما يفوق 4 ساعات يومياً في استخدام الشاشات الترفيهية، الأمر الذي يربطه علماء الأعصاب بتدهور وظائف الدماغ التنفيذية، وتراجع القدرة على ضبط النفس، وزيادة الاندفاعية السلوكية.
إننا إذ نطالب بإصلاح البيت كشرط لإصلاح التعليم، لا نطلب من الأسرة المستحيل، بل نذكرها بـ السيادة التربوية. فالمدرسة بالفعل لا تصنع معجزات، والبيوت أيضاً لن تصنع معجزات إذا ظلت تمارس التربية بأسلوب التوجيه عن بُعد.
إن ترميم أخلاق الجيل ليس مجرد حنين للماضي، بل هو معركة وعي شرسة وصامتة، يجب أن تنتصر فيها الأسرة أولاً، لتجد المدرسة غداً ما تُهذّبه.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من صحيفة الغد الأردنية
